الثلاثاء ٢٢ مايو, ٢٠١٨ 

أنشطة الأعضاء

معركة الموصل بين صراعات القوى وتجاذبات الادعاءات التاريخية، ومالات ما بعد الحرب

بقلم السفير سيد أبو زيد عمر 

يعيد التاريخ نفسه فى اغلب الاحوال، والموصل نموذج لبقعة جاذبة  - بحكم موقعها وتركيبتها السكانية - لصراع ارادات لم تتوقف عبر تاريخها الموغل فى القدم، وحروب ومواجهات دامية  بين اطراف تتغير مسمياتها، ولكنها تتشابه فى كل الحالات فى اطماعها الاقليمية والطرق الوحشية لتحقيق السيطرة عليها. ولا يتسع المجال لاستعدة تاريخ المدينة منذ الفترة الاشورية وحيث يعزو المؤرخين بناء المدينة الى القائد الاشوري الاسطورى نينوس، الذى جعل لها اسمها القديم "نينوى"، وهو الاسم الذي تحمله المحافظة باكملها فى عصرها الحديث، ويروي زينوفون لدى زيارته للمنطقة عام 401 ق. عن وجود بلدة تدعي  "ميسيلا " فى موقع مدينة الموصل الحالية، وان كان البعض يرجح الاصل العربى لاسمها والذى يعنى مكان  "وصل"،  اذ يصل بين ضفتى نهر دجلة الذى يمضى عبر المدينة، وقيل بين الجزيرة والعراق، وقيل ايضا بين دجلة والفرات.

مسرح العمليات :

الموصل ثان اكبر المدن العراقية سكانا تقع فى اقصى شمال العراق مجاورة لسوريا، مما اتاح تبادل تجارى نشط عبر الحدود، وكان لهذا الجوار تاثيره على طباع الاهالى ونشوء "اللهجة المصلاوية" المميزة. وتفصل الموصل عن تركيا محافظة دهوك، ويجاورها من الشمال محافظات كردية هى اربيل ودهوك، ومن الشرق اربيل وكركوك وصلاح الدين، ومن الجنوب الرمادى. وتضم الموصل اغلبية عربية سنية، ينحدرون من خمس قبائل رئيسية هى شمر والجبور والدليم وطئ والبقارة، ويوجد ايضا اقليات مسيحية تنتمى الي عدة طوائف، بالاضافة الى اكراد وتركمان والشبك.

لم تقتصر العملية العسكرية على تحرير مدينة الموصل فحسب، فهناك العديد من الوحدات الادارية التابعة لمحافظة نينوى التي وقعت تحت سيطرة داعش، وهى الحضر، البعاج، والشورة، وحمام العليل، وتلعفر، والمحلبية، وتل عيطة، وحميدات، والنمرود، والحمدانية، وبرطلة، وتلكيف، والعياضية، والقحطانية. وهو ما يكشف مدى اتساع الجبهة وتشابكها، ويفسر تعدد القوى المشاركة بالضرورة فى تحريرها، تلك القوى التى تتناقض مصالحها واهدافها، فالجيش العراقى الباسل عبر التاريخ لم يكن قادرا – بظروفه الحالية – على القيام وحده بعملية التحرير، ويفسر ايضا تأخر البدء فى تحرير اراضى بحجم وثقل الموصل التى استولت عليها داعش منذ يونيو 2014. فقد كان على العراق ان يستوعب فى البداية صدمة انهيار  جحافل القوات العراقية امام اعداد محدودة من مقاتلى داعش، فلم يكن الانهيار لاسباب عسكرية بقدر ما كان لاسباب سياسية ونفسية تعود الى غضب السنة العارم من السياسات الطائفية للمالكى رئيس الوزراء السابق ، والوحشية المفرطة التى تعمدت داعش ترويجها عن عملياتها، وكان على العراق ايضا  - الجيش والشرطة الاتحادية - ان ينمى من تجهيزاته ويخوض فى البدايه معارك تحرير الرمادي والفلوجة قبل ان يتجه  شمالا الى نينوى، وكان عليه ايضا ان ينسق مع القوات الامريكية التى تبدى اهتماما بحسم معركة الموصل تحسبا من تمدد داعش الى حقول وابار النفط المجاورة فى كركوك وغيرها، وتشترك القوات الامريكية فى هذه المعارك بالطيران والمدفعية، وان ينسق مع مسعود البرزانى رئيس الافليم الكردى بشان قوات البيشماركة الكردية، وان يحجم مشاركة قوات الحشد الشعبى الشيعية  خشية من تجاوزاتها الطائفية. وعقدت عدة اجتماعات مشتركة للاتفاق على خطة التحرير التى انطلقت في ساعة متاخرة من ليلة 16 اكتوبر، واطلق عليها رئيس الوزراء حماد العبادى  اسم " قادمون يا نينوى". التى كانت موضع ترحيب من مختلف العواصم.

صراعات القوى :
لا يخفى على احد ان كل طرف من القوى المشاركة فى عمليات استعادة الموصل له اجندته الخاصة، نابعة من مصالحه الذاتية، او مدفوعة من الجهات التى تقدم الدعم السياسى و / او العسكرى لها، فهذه سمة طبيعية لنظام المحاصصة وتقاسم النفوذ. بما يزيد من حدة الماساة التى يعيشها الاهالى فى ارجاء نينوى، ففى ظل حكم الدولة الاسلامية "داعش" التى طبقت بصرامة كل افكارها المتطرفة، واستباحت تلك البقاع رجالا ونساء، مستخدمة المدنيين كدروع بشرية، لاخفاء مقاتليها بين المدنيين، ومستخدمة اياهم فى حفر الانفاق التى تتيح لهم سهولة وخفية التنقل، ولا يجد السكان سبيلا للهروب سوى ترك مساكنهم والنزوح بعيدا عن المعارك، بمعنى ان يفقدوا ممتلكاتهم وينتقل من استطاع الى ذلك سبيلا الى معسكرات ايواء تحميهم بالكاد من الشتاء القارس فى تلك الاصقاع.

وتثير مشاركة الحشد الشعبي  الشيعى في معركة الموصل مخاوفا من مواجهات طائفية، وقد سبق لها القيام بعمليات تطهير مذهبى، وهو ما اكده وزبر الخارجة السعودى يوم 14 اكتوبر واصفا الحشد بانه مؤسسة طائفية انتماؤها الي ايران. لذلك اوضح رئيس الوزراء عند اعلانه بداية التحرير ان العملية تتم قيادتها من قبل الجيش والشرطة وليس اى جهة اخرى، واكد زعيم تنظيم بدر الشيعي يوم 18 اكتوبر انه من المفهوم ان مدينة الموصل لن يدخلها الا الجيش والشرطه بحيث لن يسمح لاى قوة اخري بدخولها ، سواء الحشد الشعبي او البيشماركة او حتى التحالف الدولي. ورغم هذه التاكيدات تبقى المخاوف من خروج الحشد الشعبى عن السياق. وقد خصص للحشد الشعبى المحور الغربى من بين القوات المهاجمة، وهو المحور الاكبر والاوسع، يمتد من القيارة جنوبا وحيث القيادة العسكرية للعمليات وصولا الي تلعفر شمالا وسنجار والبعاج غربا، متعاونا على هذا المحور مع لواءين من الشرطة الاتحادية العراقية، ويصف الناطق باسم الحشد الشعبى احمد الاسدى محور الحشد بانه الاصعب والاطول والاوسع بمساحة 10 الاف كم مربع، واصفا هذه الجبهة بانها تعادل اضعاف المساحة التي تقاتل فيها القوات الاخري وابناء العشائر وجهاز مكافحة الارهاب مجتمعة. ويفسرها الاخرون بان المقصود بمثل هذه التصريحات ان لكل جهد ثمنه. 

وضح من الخطط الموضوعة للمعارك ان قوات البيشمارجة الكرديه قد جعل لها وضع خاص، فقد شارك رئيس الاقليم الكردى فى التخطيط، ودفع باعداد كبيرة منهم على عدة محاور، فهى قد تم تنظيمها وتدريبها من قبل مدربين امريكيين، ويحظى الاقليم باهتمام خاص لدى الادارة الامركية، فمن المعتقد ان المشاركة الامريكية فى هذه المعركة قد جاءت بسبب اقتراب مقاتلى داعش من اراضى الاقليم وحقول البترول العراقى فى الشمال. وتقوم قوات البيشماركه بالدور الرئيسى علي المحور الشرقي الاقرب الي مدينة الموصل (20كم) وتساندها وحدات جهاز مكافحة الارهاب التى تتمركز خلفها تنتظر التغلغل عبر الوحدات الكردية نحو الساحل الايسر من الموصل. وتواجدت هذه القوات علي المحور الجنوبى الشرقى، وتتمركز فيه بالاضافة الي البيشماركه وحدات الفرقة الاولي والتاسعة من الجيش العراقي بهدف تحرير المناطق المحصورة بين الحمدانية والنمرود. وتتواجد ايضا علي المحور الشمالي الشرقى، وهو محور بعشيقة، وحيث تتمركز قوات تركية في معسكر الزيلكان الذى يعتبر قاعدة للقوات التركية منذ فترة رغم اعتراضات الحكومه العراقية. كذلك تتواجد قوات للبيشمارجه علي المحور الشمالي  والشمالي الغربى مساندة للفرقة 16 للجيش العراقي وفرقة مكافحة الارهاب. ويخشى  اغلب المراقبين من محاذير تضخم قوات البيشمارجه وامتلاكها لهذا القدر من التسليح، وتوسع وانتشار دورها العسكرى الى الحد الذى يخل بالتوازن مع القوة العسكرية المركزية، فلم يعد خافيا سعى الاقليم الى المزيد من التوسع على حساب الاراضى المجاورة للاقليم وتضم اعراق وطوائف اخرى، ويخشى ان تتمسك بما احتلته من ارض بحجة التحرير. وقد اعلنت منظمة "هيومن رايتس واتش" ان القوات الكردية دمرت بشكل غير قانونى منازل وقري عربية في شمال العراق خلال العامين الماضيين فيما يعد جريمة حرب، ووقعت هذه الانتهاكات بصفة خاصة في الفترة من سبتمبر 2014 ومايو 2016  في 21 بلدة وقرية داخل مناطق متنازع عليها بمحافظتي كركوك ونينوى. وتخضع هذه المناطق لسلطة بغداد لكنها تحت هيمنة حكومة اقليم كردستان التى  تصدت لتنظيم داعش عام 2014 وطردته من مناطق كان قد استولى عليها، واستقبلت منذ ذلك الحين اكثر من مليون  شخص معظمهم من العرب السنه الذين شردهم الصراع، واعتمد تقرير المنظمة علي زيارات ميدانية وشهود وصور بالاقمار الصناعية، واضافت المنظمة ان لديها ادله علي اعمال تدمير مماثلة في 62 قرية اخري قامت بها القوات الكردية، وانها بصدد تقصي صحتها. 

تجاذبات الادعاءات الخارجية:

لا جدال ان القوى الاقليمية الثلات، اسرائيل وايران وتركيا، موجودة بشكل او اخر حول معركة الموصل، اذ يقال ان لاسرائيل وجود قوى بالمنطقة الكردية، وعلاقات نشطة فى مختلف المجالات، ومن البديهى ان تجد من المواجهة العربية عموما مع تنظيم داعش اضعافا للقوى العربية واستنزافا لمواردها، وصرفا لانظار هذه الدول عن القضية  الفلسطينية، قضية العرب المركزية، على ان لا يصلها رذاذ تلك المواجهة. وهذا هو الوضع بالفعل الذى يثير الكثير من التساؤلات حول توجهات هذا التنظيم الارهابى. ومن جانب اخر بدا مما نشر فى اسرائيل من دراسات اهتمامها بالتعرف على طرق الحرب والمعارك التى خاضها تنظيم داعش، وبخاصة اساليبها الدفاعية لمواجهة حشود  عسكرية تفوقها حجما وعتادا، فيقدرون عدد افراد تنظيم داعش بحوالي 8000 مقاتل في مواجهة وحدات الجيش والمليشيات التى يقدرون اعدادها 35000 مقاتل، بنسبة اربعة الى واحد،  ويدرسون بعناية سبل التحصن وحفر الانفاق والدروع البشرية ومواقع التفخيخ، وقتال العرقلة، وتشتيت اهتمام المهاجمين بتوجيه ضربات الى مواقع حيوية بعيدة  عن ساحة المعركة، وقد حدث هجوم من هذا النوع في مدينة كركوك المهمة  للعراق بسبب وجود حقول النفط، والمهمة للاكراد المطالبين بحقوق فيها، وتبعد 150 كيلومتر عن الموصل، واحرقوا عدة ابار نفط تصاعد دخانها لعرقلة القصف الجوى الامريكي. وتجد اسرائيل فائدة ايضا من دراسة هذه الاساليب في مواجهاتها مع حزب الله وحماس، لكى تكون القوات الاسرائيلية قادرة علي التعامل بفعالية مع انفاق القتال تحت الارض داخل اراضى غزة واراضي جنوب لبنان

تغولت ايران كثيرا فى العراق، استنادا الى اعتبار ان الشيعة لهم الاغلبية التى تتيح لهم سلطات ونفوذ يفوق الاخرين، وتخصيص منصب رئيس الوزراء للشيعة بما اتاحه الدستور له من سلطات واسعة تشمل الجوانب الدفاعية والامنية. ويعتبر العديد من المراقبين ان الحشد الشعبى فى الواقع من المؤسسات التى تجسد التواجد الايرانى فى العراق، فهى قوات شبه عسكرية مؤلفة من حوالى 67 فصيلا موزعين بين العراق وسوريا، تشكلت بعد فتوى "الجهاد الكفائى" التى اطلقها المرجعية الدينية في النجف اية الله السيستاني وساندتها مرجعيات لها ثقلها فى ايران في مقدمتهم اية الله خامئنى، وذلك بعد سيطرة تنظيم داعش علي مساحات واسعة شمال بغداد واخذ يهدد بمهاجمة العتبات المقدسة في سامراء والنجف وكربلاء. وصرح رئيس وزراء العراق ان الحشد خاضع لسيطرة الحكومة العراقية، ويعتبرها منظومة امنية ضمن المؤسسة الامنية العراقية، ويخصص له اعتماد بالميزانية العراقية بلغت عام 2015 حوالى 60 مليون دولار. واوضح نورى المالكى رئيس الوزراء السابق ان الحشد قد تلقى دعما ايرانيا من اسلحة وعتاد لمواجهة توسع لمواجهة توسع داعش ، وان الدعم كان سريعا وفعالا لدرجة سحب السلاح من بعض الوحدات العسكرية بالاضافة لما تم نقله من مخازنها، واضاف المالكي ان ايران هي الدولة الوحيدة التى تساند العراق بجدية ضد تنظيم داعش، في الوقت الذى اقتصر الدعم الامريكى علي القصف الجوى.

وتجئ تاكيدات وزير الدفاع العراقى عن انضباط الحشد الشعبى وعمله تحت قيادة القوات الامنية العراقية لكى تنفى الاتهامات الموجهة للحشد بارتكابه لانتهاكات ممنهجة ضد السنة وطوائف اخري في تكريت والفلوجة، غير انه يصعب التغاضى عن الاتهامات التى صرح بها زعيم التيار الصدري- مشارك في الحشد – عن قيام ميليشيات بالحشد بعمليات ذبح واعتداء بغير حق ضد مواطنين عراقيين ، ومطالبته باستبعادها، وعن تقارير لهيومن رايتس واتش تتعلق بتعرض المناطق السنية الى انتهاكات قد يرقي بعضها الى جرائم حرب، وشن بعض المليشيات حملة علي مناطق في تكريت لتهجير سكانها من السنه والمختلطة، وصرح باتروس الرئيس السابق للمخابرت الامريكية لصحيفة واشنطن بوست ان ميليشيات الحشد الشعبي المدعومه من ايران سوف تكون خطرا علي العراق اكثر من داعش لانها ترتكب فظائع ضد السنه، وصرح احمد الكريم رئيس مجاس محافظة صلاح الدين ان مقاتلي الحشد قد احرقوا مئات المنازل يالمدينة. ولعل ما حدث في معارك الحشد السابقة قد نبه الي ضرورة تحجيمها  والاتفاق علي ان يقتصر دخول الموصل علي الجيش والشرطة.

دخلت القوات التركية الاراضى العراقية منذ اكثر من عام دون اتفاق مع الحكومة الاتحادية، واتخذت مقرا لها فى ناحية بعشيقة التى تقع علي مسافة 60 كم من مدينة الموصل، قوامها في البداية ثلاث كتائب مدفعية ودبابات وعربات مدرعة بمجموع  1600 ضابط وجنود، بدعوى تدريب متطوعين من العشائر العربية، رغم ان القوة التى تزايدت تدريجيا اكبر من ان تكون قوات تدريب واقل من ان تفرض سيطرتها على شمال العراق. وقد  اثار تجاوز هذه القوات على الاراضى العراقية ، واجتراؤها على سيادتها موجة من الغضب فى العراق وانتقادات على الساحة الدولية. وساقت تركيا اكثر من حجة لتبرير هذا التصرف  بدت غير مقنعة وتتعارض مع القانون الدولى، منها انه تستهدف مساعدة العراق في تحرير الموصل، وتامين الاراضي التركية من التسلل، مدعية حقها قي تامين اراضيها من هجمات محتمله لتنظيم داعش ومخاطر تتهدد بعض الاقليات، رغم ان تركيا كانت اكثر من ساعد داعش وتعاون معها في تصريف النفط  في صفقة العمولات المعروفة ، ولم تحرك ساكنا عندما ارتكبت داعش مذابح مروعة ضد التركمان والزيديين والمسيحيين . وكان موقف العراق حاسما برفض التواجد العسكري التركي علي اراضيه،  وهو ما اعلنه رئيسا الوزراء والبرلمان مرارا، وجاء في خطاب متلفز للعبادى يوم 11 توفمبر "  كل دول العالم التي تساعد العراق في محاربة داعش طلبت رسميا من العراق المشاركة في القتال ضد الارهاب وتدريب القوات العراقية ونحن من يعطى الموافقات وتاشيرات الدخول حتى لكبار القادة العسكريين الاجانب .. وان جميع دول التحالف الحالية ليست لديها دبابات او دروع او جنود مقاتلة علي الارض العراقية باستثناء عناصر الحماية الشخصية للمدربين .. لكن تركيا ترسل قوات مقاتلة دون موافقة مسبقة، نحن نرفض ذلك رغم حرصنا علي اقامة افضل العلاقات مع تركيا... ودخول القوات التركية الاراضي العراقية هى مصلحة تتعلق بتركيا وليس لمصلحة العراق .. ونؤمن بحكمة الشعب التركى للابتعاد عن اي مغامرة غير محسوبة مع العراق".

فات وقت تدخل تركيا في مدينة الموصل، بعد ان بدات حرب تحريرها ، ووجود القوات العراقية حولها بمختلف تشكيلاتها .غير ان الوجود العسكري علي الاراضي العراقية مازالت له اهدافه المباشرة التى تتعلق بمتابعة تحرك مقاتلى حزب العمال الكردستانى ، والاقتراب من مدينة تلعفر المرشحة لتكون ساحة للصدام بين تركيا والعراق مثل مدينة الباب السورية،  والاهم من ذلك تحسب اي احتمالات تقسيم للعراق فى ضوء الدعاوي التاريخية التى تدعيها تركيا في شمال العراق.

لا تخفي تركيا اطماعها في الموصل وكركوك، وتردد ان ولاية الموصل امتداد طبيعى لهضبة الاناضول وان الاكراد والتركمان في الموصل وكركوك من اصول تركيه، وتدعي انها رفضت التوقيع على معاهدة سيفر قي اعقاب الحرب العالمية الاولي والمتضمنه فصل العراق عن الدولة التركية، علما ان اتفاقية عام 1923 بين تركيا وبريطانيا التي نصت علي تقرير مصير اجزاء من الامبراطورية العثمانية بالاستغناء الحر قد تم تحقيقها تحت اشراف عصبة الامم، وقرر مجلس العصبة  عام 1925 ابقاء الموصل وكركوك والسليمانية ضمن الحدود العراقية. ووافقت تركيا علي القرار مقابل منحها 10% من عائدات النفط  لمدة 25 عاما، وتم لها ذلك. وتقف تركيا متنمرة لاستغلال اى فترة ضعف تمر بها العراق للقفز عليها والمطالبة بحقوق تتوهمها فى النفط والاراضى العراقية، بالاضافة الى الازمة المزمنة الخامدة حاليا المتمثلة فى انخفاض ما يصل دجلة والفرات من مياه نتيجة للسدود التى اقامتها تركيا فى اراضيها.

مآلات ما بعد الحرب (نظرة الى المستقبل):

حرب تحرير الموصل قد تستغرق بعض الوقت لتخطى صعوبات الجزء الغربى القديم من مدينة الموصل وعدد من مدن محافظة نينوى وخلايا داعش النائمة المتناثرة حولها، والمعتقد ان انتهاء المعارك لا يعنى انتهاء المخاطر والتجاذبات والمواجهات الجانبية، فقد يزداد الوضع تعقيدا.

وضح ان الضربات التى تلقتها داعش تصب فى مصلحة التنظيمات الارهابية الاخرى التى سحبت عنها داعش الاضواء وافقدتها الدعم البشرى والمادى، لذلك بدات القاعدة وبوكو حرام والطالبان وغيرها باجراء عمليات ارهابية فى الفترة الاخيرة لجذب انظار  المتطوعين والممولين اليها ، فى حين يرى بعض منظريهم ان داعش كانت خط الدفاع الاول عنهم، وانه لا باس من تلقيها الضربات دون ان تقضي عليها.

ومن الطبيعى ان تحتفى الحكومة العراقية بنجاحها فى القضاء على هذا الارهاب الاسود متمثلا بداعش ، والذى اصبح قضية تحظى باهتمام عالمى، غير ان اوضاع ما بعد هذه الحرب الضروس قد تتطلب منها ما يلى:

-  مواصلة الجهد العراقى لتحصين المنطقة من انتفاضات داعشية جديدة وعمليات دموية لخلاياها النائمة، ومحاصرة بقايا المقاتلين منعا من تسللهم الى المحافظات الاخرى وتكثيف العمليات الارهابية بها.

- تكثيف الجهود لمنع الارهابيين من التسلل وشق طريقهم الى الرقة فى سوريا، والالتحاق بنظرائهم، بما يزبد من صعوبة تحريرها.

-  اخلاء المنطقة من الحشد الشعبى الذى تشكل ممارساته احيانا تهديدا وتمزيقا للنسيج الوطنى.

- مواجهة الاطماع الكردية برفض اى توجه لتمسكها بالاراضى التى حررتها واعتبارها جزءا من اقليم كردستان، ومناهضة اى تحرك لاستقلال الاقليم.

-  جمع شمل المهجرين واللاجئين واعادتهم الى مناطقهم  وبخاصة السنة الذين يشعرون بمرارة نتيجة لما لحق بهم من  تشتيت وتنكيل.

-  التركيز على وحدة الاراضى العراقية والحفاظ على امن المواطن وتخفيف الاضرار الناجمة عن الاستقطاب الطائفى.

-  الوقوف بقوة ضد التجاوزات التركية، والعمل على اخراج القوات التركية من الاراضى العراقية، والعراق فى ذلك مؤيدا من كافة الدوائر العربية والدولية.

-  التاكيد على وحدة الاراضى العراقية فى مواجهة اطماع التجزئة  وفكر التقسيم.

- اللجوء الى شبكة الامان العربية بتدعيم اواصر العلاقات مع اشقائها العرب، والعراق مؤهل بحكم علاقاته المميزة بايران بان يلعب دورا مركزيا وفعالا للوصول الى تسويات سياسية للازمات التى تعصف بدول عربية نتيجة للاستقطاب الطائفى فى المنطقة.

نشرت بمجلة الشؤون العربية 

القاهرة فى 23 نوفمبر 2016

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

الدور الوطني للدبلوماسية المصرية

احتفلت وزارة الخارجية المصرية الشهر الماضي بذكرى مرور ستة وتسعين عاما على انشائها في 15 مارس...   المزيد

العلاقات بين مصر والسودان .. إلى أين؟

 العلاقات بين مصر و السودان ... إلى إين ؟  المزيد

مشاركة مصر في قمة تجمع البريكس

  رئيس مجموعة الـــ 20 – للمشاركة في قمة المجموعة التي استضافتها مدينة هانجو .     ومما لا...   المزيد

ترامب والقضية الفلسطينية 15 نوفمبر 2016

لاشك أن التقييم الموضوعى للسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية يقودنى الى مقولة واحدة مفادها...   المزيد

مصر بين ثورتين وحركات التصحيح لإعادة المسيرة الوطنية 26...

ثورات الشعوب تعبر عن ثلاث حقائق الأولى أنها تعبر عن الحس والطموحات والآمال الوطنية للشعب بمختلف...   المزيد