الأحد ١٨ فبراير, ٢٠١٨ 

أنشطة الأعضاء

العلاقات بين مصر والسودان .. إلى أين؟

 

تتسم العلاقات بين مصر والسودان بتعدد الروافد، وعلى النحو الذى توصف معه بأنها علاقات فريدة، وتتسم بالخصوصية، إذ تتأسس على ثوابت الجغرافيا ووقائع التاريخ والروابط الثقافية والوشائج الاجتماعية، فضلا عن رابطة نهر النيل الذى يمثل شريانا تاجيا لأبناء وادى النيل، وتتجسد تلك الروافد فى مقولة شعب واحد فى دولتين، كل منهما عمق استراتيجي للآخر.
ولعل ما قد يجعل من تلك الروافد كتلة صلبة لا تنال منها الأزمات أو المواقف والسياسات غير المواتية ما يحظى به الموقع والموضع الاستراتيجي للبلدين فى القارة الأفريقية، فى اتصال بالمنطقة العربية، حيث يدفعان وبقوة حال توافر الإرادة السياسية الصادقة نحو آفاق رحبة للتكامل الاقتصادي الإيجابي والبناء لما فيه المصالح المشتركة للبلدين، وذلك بما يمتلكانه من موارد بشرية وطبيعية ضخمة كما ونوعا.
واقع الأمر، وعلى الرغم مما تقدم، فلعله من طبيعة الأمور ألا يخلو الأمر من رواسب تاريخية محدودة تجاوزها الزمن، وتضاءل تأثيرها بل قد ينعدم بتأثير قوة وفاعلية الروافد المشار إليها، ولكن للأسف يسعى البعض إلى إيقاظها وتضخيمها، بل ربما استغلالها، لاتخاذ مواقف وسياسات سالبة لأغراض تتعارض ومصالح الشعبين والبلدين، وهو ما نلحظة، ويمكن رصده على مدى بضعة عقود.
لقد جاء انقلاب، عام 1979، فى السودان بقيادة الرئيس عمر البشيرـ وهو ما سمى بعد ذلك بثورة الإنقاذـ ليتبنى توجها سياسيا إسلاميا فى إطار الحركة الإسلامية الإقليمية الدولية، واقترن ذلك بنزعة ذاتية ذات منحى استقلالي عن الدولة الشقيقة مصر، تحت مظنة أن تلك النزعة تحقق شعبية للنظام الوليد، وتثبت أركانه.
ولقد تجسد ذلك فى سلسلة من الممارسات والإجراءات العدائية تجاه مصر، بدءا بمصادرة الممتلكات المصرية والاستيلاء عليها، وتحويل الجامعات المصرية فى الخرطوم إلى جامعات سودانية، وإقامة علاقات مع التنظيمات الإسلامية فى مصر، وخاصة الإخوان المسلمين والتى وصلت إلى حد تدبير السودان ومشاركته فى محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسنى مبارك عام 1995 فى أديس أبابا.
وقد كان هذا التوجه الإسلامى ومحاولة فرضه بالقوة على جنوب السودان أحد الأسباب الرئيسية لانفصال جنوب السودان بدعم غربى قوى، رغم أن القيادات السياسية الجنوبية كانت تتبنى- فكرياـ توجها وحدويا، شريطة أن يكون علمانيا، وهو الأمر الذى أفقد فى الاستفتاء على تقرير المصير خيار الوحدة أى جاذبية أمام خيار الانفصال.
من ناحية أخرى، اتسق هذا التوجه الإسلامي مع التوجه الذى تتبناه كل من قطر وتركيا وإيران، وهو محور سيئ السمعه دوليا من حيث الإرهاب، والتحق به السودان ضمنياـ لم يزل يواجه مشكلة إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب- ودول المثلث تشكل محورا مناوئا لكل من مصر ودول بالخليج، وهو محور يتخذ من القواعد العسكرية والاستثمارات والدعم الاقتصادى منهجا لتعزيز تواجده ونفوذه، بما لديه من إمكانات مادية مؤثرة إقليميا ودولياـ قطرـ وعسكرية متقدمةـ إيران وتركياـ بجانب الإمكانات الاقتصادية للأخيرة.
على خلفية ما تقدم وفى إطاره يجىء دور السودان، فإذا كانت الدول الثلاث تسعى إلى النيل من مصر وتحجيم دورها ونفوذها، بل ربما إضعافها وتفتيتها بالتقسيم، فتلك الأهداف تتسق مع رؤية السودان المشار إليها، ونضيف أن العمليات الإرهابية التى تشهدها مصر مدعومة على الأرجح من جانب دول المحور المشار إليه، مع التذكير بأن السودان يؤوى عناصر من تنظيم الإخوان المسلمين على أراضيه، بل هناك ما يفيد أن به مراكز للتدريب.
من ناحية ثالثة، تسعى دول المحور الثلاث- ومن بينها دولتان ليستا من المنطقة العربية، والثلاتة ليست من الدول المتشاطئة على البحر الأحمر، وخارج منطقته- وبتعاون مع السودان تسعى للولوج إلى منطقة البحر الأحمر ذى الأهمية الاستراتيجية للأمن القومي المصري والأمن القومي العربي، فتتواجد إيران عسكريا فى البحر الأحمر عبر اليمن، ولو من خلال الحوثيين بجانب تنظيم القاعدة، وتتواجد تركيا بقاعدة عسكرية في الصومال على مدخل البحر الأحمر، ومؤخرا ستتواجد فى البحر الأحمر أيضا عبر السودان بتقدير يرجح بقوة من واقع نتائج زيارة أردوغان للسودان مؤخرا إقامة قاعدة عسكرية فى جزيرة سواكن، والتصريح حول اتفاق سرى لم يعلن عنه. هذا فضلا عن سعى دول المحور فى اتساق مع دور للسودان فى التغلغل والتسلل لدول أفريقية ذات مواقف وسياسات سالبة تجاه مصر، ومن أبرزها إثيوبيا، إذ تجدر الإشارة هنا إلى اجتماع رؤساء أركان القوات المسلحة للسودان وقطر وتركيا في الخرطوم إبان زيارة أردوغان للعاصمة السودانية، وكذا اجتماع رئيسي أركان كل من السودان وإثيوبيا مؤخرا بعاصمة الأخيرة، في اتصال بزيارة الرئيس التركي للسودان. هذا مع العلم بوجود اتفاق للتعاون العسكري بين الخرطوم وأديس أبابا، تم توقيعه بين رئيسي البلدين في العام الماضي.
وقد صرح البشير فى أعقابه بأن أى اعتداء على إثيوبيا بمثابة اعتداء على السودان، مثلما تضمن اتفاقا بشأن الحدود بين البلدين، اعترافا من إثيوبيا بأن مثلث حلايب سوداني.
على ضوء مجمل ما تقدم شهدت العلاقات المصرية السودانية حالة شبه مزمنة من التوتر، وظلت تراوح مكانها في هذا الإطار عبر العقود الثلاثة الماضية، بل تصاعدت حالة التوتر مع دأب السودان على إثارة، وربما افتعال العديد من القضايا والمشاكل التي يمكن أن نجد تفسيرا لها في إطار التوجهات الإسلامية والنزعة الذاتية، وفى ارتباط النظام القائم في الخرطوم بالمحور الثلاثي المشار إليه، حيث التمحور حول المصالح الذاتية للسودان دون مراعاة للمصالح المشتركة التي تتأسس على الروافد المتعددة المشار إليها، تلك المصالح التي تشكل أساسا لعلاقات صحية بين شعبي وادى النيل.
ويمكن حصر تلك القضايا والمشاكل في مجموعتين من القضايا:
الأولى جوهرية، وتبدأ بقضية سد النهضة التى تبنى فيها السودان موقف إثيوبيا بشكل يصل إلى حدٍ وصفه البعض بالتواطؤ، حيث لا يراعى الحقوق المائية التاريخية لمصر أو القوانين الدولية المعنية بالأنهار أو الاتفاقات الموقعة بين دول النهر، أو التجارب الناجحة لدول متشاطئة على نهر، أو حتى الأضرار التي ستصيب الاقتصاد المصري.
وتليها قضية حلايب وشلاتين، وهى قضية محسومة أصلا، ولا تستوجب أن تكون محل نزاع لإجراء حوار أو التوجه للتحكيم الدولي، ويدرك الطرف السوداني ذلك، إذ إنه يعي تماما لو طبق قواعد القانون الدولي بشأن الحدود والاتفاقات الموقعة بصددها وبشكل سليم لتأكد أن دعواه بسودانية مثلث حلايب تفتقر لأى أساس.
ثم تجىء قضية تسليم سواكن لتركيا، وهى قضية تمس الأمن القومي المصري، والعربي في منطقة البحر الأحمر.
والتساؤل يدور حول الغرض الرئيسي من هذا التسليم، ومن المستهدف من إقامة قاعدة عسكرية في هذه الجزيرة، وفى هذا التوقيت، خاصة اذا أخذنا في الاعتبار توجهات المحور الثلاثي بالتعاون مع السودان، وأحاديث الأخير عن مثلث حلايب، الذى اقترن بتصريحات ذات طابع عسكري من جانب البشير وقادة عسكريين سودانيين بصدده.
والثانية مفتعلة، ومن أبرزها الادعاء بدعم مصر للمعارضة السودانية، ولحركات التمرد، ودعم جنوب السودان ضد السودان، تخلى مصر عن دعم السودان في محافل دولية بشأن حقوق الإنسان، امتناع مصر عن دعم طلب السودان رفع العقوبات عنه، الادعاء بإبعاد السودان عن الحوار مع إثيوبيا في قضية سد النهضة، حملات إعلامية يبدؤها الجانب السوداني، ويرد عليها الجانب المصري، تقييد التأشيرات للمصريين، حظر استيراد سلع مصرية تحت دعاوى غير صحيحة، وقد ثبت في كل هذه القضايا أنها جاءت مفتعلة من الجانب السوداني وأن مصر في جميع تلك القضايا وكذا في القضايا الحيوية كانت ولم تزل حريصة على التهدئة وعدم التصعيد وانتهاج سياسة الاحتواء.
على ضوء مجمل ما تقدم، فالنهج السوداني في تعامله مع مصر يتسم بالعدائية ويدير ويخلق أزمات، من منطلق توجهاته السياسية وارتباطاته الإقليمية والدولية التي لا تتسق مع نظيرتها المصرية.
وهو بهذا يدفع نحو تكريس سياسة المحاور المتصادمة التي قد لا تقتصر فقط على الصراع والتصادم السياسي، بل ربما قد تدفع إلى نظيره العسكري، خاصة أنه- أي النظام القائم في السودان- ينتمى لمحور يضم قوى إقليمية من خارج المنطقة العربية والقارة الأفريقية من ذوى الأطماع التوسعية والهيمنة والسيطرة على نحو يستهدف النيل إن لم يكن طمس الهوية العربية وتغيير خريطة المنطقة.
وعلى الرغم من هذا التباين في التوجهات بين البلدين، وفى العلاقات الإقليمية والدولية لكل منهما، والتأكيد على حق وحرية كل دولة في اتخاذ ما تراه من سياسات وتوجهات، إلا أن هذا الحق ليس مطلقا، بل مقيدا بإطار علاقات إقليمية ودولية يتعين مراعاتها، وخاصة بين دول الجوار، تتأسس على مبادئ راسخة ومستقرة، لعل أبرزها، حسن الجوار والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والأمن المتبادل
وفى التقدير: إن كسر الحلقة المفرغة لحالة التوتر المتنامي والمتصاعد في العلاقات بين البلدين، والتي قد تصل إلى حالة التدهور، يستوجب مراجعة شاملة مع النظام القائم في السودان، وأن يكون ذلك في إطار تفعيل العمل بالوثيقة الاستراتيجية التي وقعت من جانب الرئيسين السيسي والبشير في أكتوبر 2016، والتي تضمنت تناول العلاقات بين البلدين ليس فقط في الإطار الثنائي، بل أيضا في الإطار الإقليمي عبر آليات وردت بالوثيقة شامله في التناول لكافة المجالات، وشامله أيضا لآليات على كافة المستويات، ومن بينها آلية القمة على المستوى الرئاسي، مع مراعاة تجنب الحملات الإعلامية السالبة التي قد تترك آثارا ورواسب غير مواتية للعلاقات الشعبية بين البلدين.
نشر المقال بجريدة المصري اليوم بتاريخ 16 يناير 2018. وما تضمنه المقال من وجهات نظر تعبر فقط عن وجهة نظر كاتبه و لا تعكس بالضرورة وجهة نظر المجلس المصري للشئون الخارجية
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1246157
 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

مشاركة مصر في قمة تجمع البريكس

  رئيس مجموعة الـــ 20 – للمشاركة في قمة المجموعة التي استضافتها مدينة هانجو .     ومما لا...   المزيد

معركة الموصل بين صراعات القوى وتجاذبات الادعاءات التاريخية،...

 يعيد التاريخ نفسه فى اغلب الاحوال، والموصل نموذج لبقعة جاذبة  - بحكم موقعها وتركيبتها السكانية...   المزيد

ترامب والقضية الفلسطينية 15 نوفمبر 2016

لاشك أن التقييم الموضوعى للسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية يقودنى الى مقولة واحدة مفادها...   المزيد

مصر بين ثورتين وحركات التصحيح لإعادة المسيرة الوطنية 26...

ثورات الشعوب تعبر عن ثلاث حقائق الأولى أنها تعبر عن الحس والطموحات والآمال الوطنية للشعب بمختلف...   المزيد

السفير منير زهران مندوب مصر الأسبق بالأمم المتحدة: السعودية...

تطرق السفير منير زهران ، رئيس المجلس المصرى للشؤون الخارجية، مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة،...   المزيد