الأحد ١٦ ديسمبر, ٢٠١٨ 

أنشطة الأعضاء

هل مازال بوتين يراهن على ترامب؟

 عزت سعد

فى مسلسل لا يبدو أنه سينتهى قريباً، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فى 9 أغسطس الجارى عن حزمة من العقوبات الاقتصادية الجديدة على روسيا تشمل حظر بيع تكنولوجيا «حساسة»، مثل تلك المستخدمة فى الأجهزة الإلكترونية ومعدات المعايرة، وذلك على خلفية تسميم العميل الروسى المزدوج سكريبال بغاز «نوفيتشوك» للأعصاب فى مارس الماضى، ودخلت هذه العقوبات حيز النفاذ اعتباراً من 27 أغسطس الجارى.

وتنطوى العقوبات الأخيرة، على رسالة واضحة للرئيس بوتين، ولنظيره الأمريكى أيضاً، بأنه أيا كانت علاقات الإثنين أو رؤاهما للعلاقات الثنائية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدة لاتخاذ موقف مهادن، وأنها ماضية قدماً فى معاقبة روسيا، بغض النظر عن أى شىء يقوله أو يفعله ترامب. والواقع أن العقوبات، التى أصبحت الأداة المركزية فى السياسة الأمريكية تجاه روسيا، تمثل تحدياً أكثر تعقيداً.

وبالنسبة للكريملين، فهى بمثابة تحد وفرصة فى الوقت ذاته. فمن ناحية تؤثر العقوبات سلباً على تدفق الاستثمارات الغربية ونقل التكنولوجيا لروسيا. ومن ناحية أخرى، أصبح للعقوبات تأثير حاسم فى التفاف الشعب وكذلك النخبة حول الرئيس. كما تدفع العقوبات روسيا إلى البحث عن شركاء خارج الغرب وإعادة صياغة وضعيتها كقوة عالمية.

ومن الواضح أن مسلسل العقوبات الأمريكية لم تكن له سوى آثار محدودة على الاقتصاد الروسى. ففى آخر تقاريرها فى 19 أغسطس الجارى، حافظت وكالة التصنيف الدولية «فيتش» على تصنيف روسيا الائتمانى البعيد الأجل عند مستوى BBB الاستثمارى مع نظرة مستقبلية إيجابية، لافتة فى الوقت ذاته، إلى أن العقوبات الأمريكية قد توجد أخطاراً على الاقتصاد الروسى، إلا أن روسيا «قادرة على الوقوف فى وجه العقوبات».

وغنى عن البيان أن العقوبات الغربية لا تشكل بديلاً عن بلورة سياسة غربية فعالة تجاه روسيا واقترانها باستراتيجية دبلوماسية متماسكة وهنا يكمن التحدى الأساسى- السياسى والأمنى والاقتصادى- الذى يواجه الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين فى السنوات القادمة، والمتمثل فى كيفية تطوير استراتيجية جديدة للتعامل مع روسيا، تقوم على فهم واقعى لروسيا كما هى، وليس على أساس ما يريد الغرب رؤيته أو ما يأمله فى هذا الشأن.

ذلك أن معضلة العلاقات الروسية- الأمريكية تتعلق أساساً بالتباين فى نهج كل منهما فى إدارة شؤونه الخارجية. فالولايات المتحدة تؤيد النظام الليبرالى الدولى فى أبعاده السياسية والاقتصادية وعلى صعيد العلاقات الدولية رغم أنها لم تلتزم به دائما، كما سعت لتعزيز القيم الليبرالية خارج حدودها بفاعلية. هذا بينما التزمت روسيا بنهج مختلف وواقعى يقوم على إعلاء شأن المصالح الوطنية فى إدارة سياستها الخارجية.

وبقدر ما سعت واشنطن إلى تعزيز النظام الليبرالى الدولى بقدر ما قاومت موسكو ذلك، خاصة فى المجالات التى يمكن أن تؤثر على المصالح الروسية. والمشكلة هنا أن الولايات المتحدة- مدفوعة بقناعتها بخروجها منتصرة فى الحرب الباردة وإسقاط الاتحاد السوفيتى السابق وأيديولوجيته- تعتقد اعتقاداً راسخاً بأنها كانت دائماً على الجانب الصحيح، وأن أى خصوم سوف يدركون- عاجلاً أم آجلاً- أخطاء مساراتهم ويتبنون نظرتها للعالم.

غير أن الحال ليس كذلك بالنسبة لموسكو الرافضة تماماً لمسألة إخفاقها فى الحرب الباردة ولنتائج الفوز بها الذى يدعيه الغرب. وتأثرت رؤية موسكو تأثراً عميقاً من خبرتها مع الغرب فى نهاية الحرب الباردة وخلال عقد التسعينات إبان حكم يلتسين. فلم تحظ روسيا بمكان فى الهياكل الأوراطلنطية السياسية والأمنية بنهاية الفترة الشيوعية، حيث طلب منها إثبات هويتها الأوروبية. وبالإمكان تفهم هذه المقاربة الحذرة، ذلك أن مساحة روسيا وثقافتها السياسية وتقاليدها العسكرية ووضعها الجيوسياسى فى قارتين، قد جعل من مسألة اندماجها فى أوروبا مهمة صعبة، إن لم تكن مستحيلة.

ولقد كانت نتيجة ذلك قيام الولايات المتحدة وأوروبا بتبنى مقاربة مزدوجة تجاه روسيا: الأولى الوقوف ضدها كأحد الأضداد، والثانية استراتيجية غربية لجذب روسيا وتشجيعها على التحول على أمل أن ترى ثمار اقتصاد السوق والديمقراطية والانضمام للغرب، بشروط هذا الأخير طبعاً.

ومن الواضح أنه كلما زادت الجزاءات الغربية على روسيا وتصاعدت حدة الإعلام المعادى لها ولسياسات الكريملين، زاد بوتين إصراراً على تعزيز مكاسب بلاده بعد ضم القرم، وما ترتب على ذلك من شعبية كبيرة فى الداخل وتعزيز صورته فى الخارج كزعيم لا ينحنى أمام الضغوط الأمريكية، تدعمه فى ذلك توجهات السياسة الخارجية لإدارة ترامب ذاتها والتى تخدم أهداف بوتين الاستراتيجية سواء فيما يتعلق بوضعية الناتو أو علاقات واشنطن بالاتحاد الأوروبى. وقد شهدت علاقات موسكو بأحزاب اليمين المتطرف فى أوروبا زخماً واضحاً خلال السنوات الأخيرة (رمزية تلبية بوتين دعوة وزيرة الخارجية النمساوية لحفل زفافها).

ومع ذلك لا ينبغى تجاهل حقيقة أنه فى ظل إدراك بوتين أن الأمر يتعلق بمنافسة غير متكافئة بينه وبين الولايات المتحدة، خاصة مع استمرار هذه الأخيرة فى لعبة الجزاءات وممارسة ضغوطها على حلفائها الأوروبيين واليابان لوقف نقل التكنولوجيا إلى روسيا، يتبنى الكريملين سياسات حذرة يفتح من خلالها الباب لاستعادة علاقاته بالغرب. والواقع أنه منذ تولى ترامب جرت بعض المحاولات النادرة للتشاور على المستوى الرسمى، لم تؤت ثماراً تذكر، ولا يبدو أن قمة هلسنكى فى يوليو الماضى قد حققت أى اختراق فى القضاي ا الرئيسية الثلاث فى علاقات البلدين وهى قضايا الأمن والصراعات الإقليمية والعلاقات الثنائية.

* سفير مصر السابق بموسكو وعضو المجلس المصرى للشؤون الخارجية
 نشرت بجريدة المصرى اليوم بتاريخ 4 سبتمبر 2018 ، برابط دائم :
Https://www.almasryalyoum.com/news/details/1319898.
 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

75 عاماً على العلاقات المصرية / الروسية

 يوافق هذا العام ذكري مرور 75 عاماً على قيام العلاقات الدبلوماسية المصرية الروسية . ولم يشأ...   المزيد

الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بقلم...

 تبدأ الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة عادةً في الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر من...   المزيد

مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة الـ 73 للجمعية...

 شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة،...   المزيد

العلاقات الروسية / الصينية في عالم متغير

 في احتفالية كبري بقاعة الشعب في بكين في 8 يونيو الماضي، منح الرئيس الصيني " جينبينج " نظيره...   المزيد

الخروج من حالة الفضاء العربى20/8/2018

من أهم مخرجات ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 أن المجتمع المصرى كان رافضا «حالة»، ويريد...   المزيد