الأحد ١٦ ديسمبر, ٢٠١٨ 

أنشطة الأعضاء

العلاقات الروسية / الصينية في عالم متغير

في احتفالية كبري بقاعة الشعب في بكين في 8 يونيو الماضي، منح الرئيس الصيني " جينبينج " نظيره الروسي  بوتين " ميدالية الصداقة "، وهو تكريم غير مسبوق لم يحظ به زعيم أجنبي من قبل. ولهذا التكريم دلالة رمزية تعكس المستوي الرفيع الذي وصلت اليه علاقات البلدين، والعلاقة الخاصة على المستوي الشخصي بين الرئيسيين اللذين بذلا جهداً كبيراً خلال السنوات القليلة الماضية  في تطوير العلاقات الثنائية والاستثمار السياسي في تعزيز وادارة هذه العلاقات بفاعلية وكفاءة من خلال مقاربة واقعية هادئة لتسوية خلافاتهما مع الحرص – علناً – على تأكيد وابراز العناصر الايجابية في تلك العلاقات.
 
وقبل تناول أهم سمات العلاقات الصينية / الروسية، من المهم الاشارة الي جوانبها الجيواستراتيجية، والتي تفسر الدوافع وراء حرص رئيسي البلدين على المزيد من تعميقها وتوسيعها لأفاق أرحب، خاصة بعد إعادة انتخاب كل منهما لولاية جديدة .
 
ذلك أنه منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ، تبنت روسيا استراتيجية تقوم على الاندماج في الهياكل الاورواطلنطية ، بشروطها الخاصة ، وكانت عضوية روسيا في مجموعة الـــ 8 رمزاً لهذه الاستراتيجية. ومع ذلك فالانقلاب على الرئيس يانوكوفتيش في اوكرانيا في فبراير 2014 ، والذي دعمته واشنطن بوضوح ، قد نظر اليه من جانب موسكو على أنه مقدمة لانضمام محتمل لأوكرانيا لحلف شمال الاطلنطي. و جاء رد فعل الكريملين بضم شبه جزيرة القرم لروسيا، وما تبعه من استبعاد موسكو من عضوية مجموعة الثمانية، قبل نحو شهرين من قمة كان مقرراً عقدها في سوتشي عام2014. 
 
ولقد كان من أهم تداعيات هذه المواجهة توجه روسيا نحو الصين واكتساب علاقات البلدين المزيد من العمق الاستراتيجي ، بحثاً عن توازن عالمي جديد . فمن ناحيتها ، تسعي روسيا الي وقف مد النفوذ الغربي وابعاده عن منطقة نفوذها ، ومن جانبها، تمر العلاقات الصينية / الامريكية بضغوط متزايدة لا تقتصر على الحرب التجارية الدائرة الان. ذلك انه مع تزايد قوتها ، تدفع الصين بمصالحها في المناطق البحرية جنوب وشرق شواطئها، بل وفي مناطق أخري من العالم في ظل مبادرات طموحة مثل مبادرة الحزام والطريق. ورغم انه لا يجمع روسيا والصين  تحالف صريح واضح ، بل تتعارض مصالحهما في بعض الاحيان، إلا أن كليهما يتحديان النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة  الامريكية . وفي تقدير بعض المحللين الروس – بحق - ان الصينيون يفعلون ذلك بحكمة وهدوء أكثر من الروس.  ومن المهم الاشارة هنا الي أن ذلك يفرض قيوداً على المدي الذي يرغب كل منهما في الذهاب اليه لتوثيق علاقاته بالأخر. وعلى سبيل المثال فإنه في الوقت الذي لم تنضم فيه الصين الي العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفائها على روسيا منذ عام 2014 بسبب الأزمة الاوكرانية امتنعت بكين عن التصويت على قرار الجمعية العامة رقم 262 الصادر في ابريل 2014 بشأن إدانة التدخل الروسي في اوكرانيا والخلاصة هنا هي  ان القدر المتيقن في هذا الشأن هو أن مصالح كلا البلدين وتوجهاتهما الاستراتيجية تشير الي تعاون وثيق طويل المدي بينهما .
 
وفي ضوء الاعتبارات عاليه، ليس من المستغرب أن تشير استراتيجيتي الأمن والدفاع القومي الامريكيتين (2018) الي كلاً من الصين وروسيا ، في أكثر من موضع ، بوصفهما التهديد الأكبر للمصالح الامريكية في مناطق كثيرة من العالم. وعلى سبيل المثال تشير استراتيجية الأمن القومي الي أنه " بالرغم من زوال التهديد الشيوعي السوفيتي ، فإن هناك أخطاراً جديدة تتحدي إرادتنا، حيث تسعي روسيا لاستخدام سياسات هدامة للتشكيك في مصداقية الولايات المتحدة الامريكية في تعاملاتها مع الاتحاد الاوروبي بغرض تقويض وحدة الاطلنطي، ولإضعاف الحكومات والمؤسسات الاوروبية. من جهة أخرى تحاول الصين اكتساب موطئ قدم لها في اوروبا عبر ممارساتها التجارية والاستثمارية غير العادلة في الصناعات الرئيسية بالقارة وفي مجالات البنية التحتية والتقنية. وتضيف الاستراتيجية " لقد نجح منافسونا في ايجاد  موطئ قدم لهم في منطقة الأمريكتين. فالصين تحاول جذب دول المنطقة الي مدارها من خلال الاستثمارات والقروض.. كذلك تحاول روسيا استدعاء سياستها الفاشلة التي استخدمتها إبان الحرب الباردة لجذب دول المنطقة.. ان كلاً من الصين وروسيا يدعم الحكم الديكتاتوري بفنزويلا ..".
 
ووفقاً لاستراتيجية الدفاع القومي" يتمثل التحدي الاساسي الذي يواجه رخاء و أمن الولايات المتحدة في عودة ظهور منافسة استراتيجية شرسة طويلة المدي ممن صنفتهم استراتيجية الامن القومي كقوي رجعية ،و تحديداً روسيا والصين . فسعيهما الحثيث لتشكيل عالم يتسق مع نموذجيهما الاستبدادي يتبدى بوضوح ".
 
والواقع أن محللين روس كثر يعتقدون أنه في ظل العلاقات المتدهورة بين روسيا والغرب ، ستكون الاولي في مزيد من الحاجة للصين كمصدر للعملات الصعبة وكمستثمر وكسوق، كما أن المزيد من اعتماد موسكو على بكين ،سيؤدي الي تزايد نفوذ هذه الاخيرة بدرجة كبيرة .وفي هذا السياق من المهم الاشارة الي ان العديد من الاكاديميين الصينيين يشككون في اننا نعيش عاماً متعدد الاقطاب، مشيرين في ذلك الي ان واقع الأمر هو أنه لا يوجد سوي قطبين عالميين فقط هما الولايات المتحدة والصين ، أما جميع الدول الأخرى، فعليها أن تختار ما بين أي من القطبين. والواقع أن التطورات خلال السنوات القليلة الماضية تكشف عن العديد من الأدلة الداعمة لهذا التصور.
على الخلفية السابقة يمكن فهم سمات وأوجه التعاون الروسي / الصيني في مختلف المجالات . وفي هذا الصدد تجدر الاشارة الي ما يلي بصفة خاصة :
 
1-ان رسم علاقات الجانبين بجوانبها المختلفة يقع على قائمة أولويات رئيسي البلدين  شخصياً وبإشراف مباشر من كليهما. و اعادة ما تتم المشاورات والاتصالات بين البلدين على أعلى مستوي . وقد وصف الرئيس الصيني  نظيره الروسي بأنه صديقه الاكثر قرباً. وفضلاً عن ذلك هناك برامج واتصالات مكثفة بين شباب الجامعات في البلدين ، كما يتعلم كل منهما لغة الاخر. وتتزايد هذه البرامج والمنخرطين فيها في الجانبين يوماً بعد يوم ، وذلك بجانب المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها من الجانبين وتبادل اقامة المعارض الكبرى ، والتعاون  العسكري الذي يمثل الركيزة الاساسية في علاقات التعاون الثنائي. فحتي سنوات قليلة مضت كانت الصين – ومعها الهند – تستحوذ على نحو 80% من إجمالي صادرات روسيا من الاسلحة. ويشمل التعاون العسكري المشترك اليوم اجراء تدريبات مشتركة بما فيها تدريبات بحرية منتظمة. وعلى خلاف السابق ، حيث كانت تجري هذه الاخيرة في بحر اليابان قبالة " فيلا دفوستك"، تجري الان في منطقة متنازع عليها بين الصين واليابان ( حول حزر ديياو Diaoyu  المسماة  Senkaku  من اليابانيين ). وتفسر موافقة روسيا على اجراء المناورات في هذه المنطقة بأنها رسالة الي اليابان التي تجاوبت مع ضغوط واشنطن لفرض عقوبات على روسيا بأن هذا التجاوب له ثمنه. ويعد هذا التطور دراميا في السياسة الخارجية الروسية ، حيث كان بوتين – حتي مارس 2015 – قد أكد بأنه لا ينوي الدخول في تحالف عسكري مع الصين .
وقبل اربع سنوات فقط من هذا التاريخ عرض الرئيس السابق ميدفيدف ورئيس الوزراء بوتين على حلف شمال الاطلنطي إطاراً للتعاون الدفاعي.
 
2-على مدي العقود الثلاثة الاخيرة، وفر مناخ الثقة السياسية المتبادلة بين الدولتين ضمانات غاية في الاهمية للمضي قدماً في تعميق التعاون الثنائي بينهما . وعلى خلاف ما كان عليه الحال في الماضي، تدرك كلاً من الصين وروسيا أنهما بصدد مواجهة موقف دولي جديد، سيستمر معهما طويلاً،  يستوجب منهما تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يقتضي بدورة حكومة قوية وفعالة.
 
3-يختلف التعاون بين الصين وروسيا عن العلاقات الثنائية العادية فيما بين الدول. فالبلدان يتجاوران مباشرة كما ان الهيكل الاقتصادي لكل منهما يتكامل مع الاخر.  وبالنسبة لروسيا تعد الصين سوقاً واعدة للطاقة . وقد جاءت صفقة الغاز التي ابرمت بين الجانبين خلال زيارة بوتين للصين عام 2015 بتوريد غاز للصين على مدي 30 عاماً بقيمة 400 مليار دولار، لتؤكد مرونة الجانب الروسي بشأن أسعار الغاز بما يخدم الاهداف الجيوسياسية والاقتصادية الروسية. 
 
وتجدر الاشارة الي ان معدل التبادل التجاري بين البلدين حوالي 90/ 100 مليار دولار سنوياً، وهو أقل كثيراً من نظيره مع دول الاتحاد الاوروبي مجتمعة ، الا انه يظل الاكبر على مستوي دول الاتحاد فرادي.
 
4-تدعم العلاقات الثنائية الصينية / الروسية هياكل اقليمية ودولية مستقرة للتعاون ممثلة أساسا في منظمة شنغهاي للتعاون، ويوفر تجمع " بريكس " إطار جيداً للبلدين للدفع بأجندتهما السياسية والاقتصادية بالتعاون مع الدول الاخرى الاعضاء ( البرازيل والهند وجنوب افريقيا ) . كذلك يشار الي التزاوج بين مبادرة الحزام والطريق الصينية والاتحاد الاقتصادي والاوروآسيوي الذي تروج له روسيا. وفضلاً عن ذلك فإن رغبة روسيا في تنمية الشرق الأقصى الروسي وسيبيريا، يمثل أحد أهم محاور التعاون مع الصين .
والخلاصة ان  التعاون الصيني / الروسي مرجعه الاساسي المصلحة المشتركة للبلدين في إقامة نظام دولي جديد بعيداً عن هيمنة الولايات المتحدة الامريكية ، وذلك من خلال تبني سياسة خارجية تتسق مع متطلبات الاوضاع الداخلية والسعي الي الاحتفاظ بأكبر قدر من حرية العمل بعيداً عن ضغوط الغرب وشعاراته حول " الديمقراطية " و " حقوق الانسان ".  وبطبيعة الحال لا يتنافى ذلك مع الشراكة التي تجمع كل من البلدين مع الغرب في العديد من المجالات على قاعدة المصالح المشتركة وتقاسم المنافع، وليس استناداً الي وحدة القيم. ويبدو أن هذا النموذج العالمي الجديد الذي يسعي بوتين وجينبينج - بقوة - الي تأسيسه ، يلقي الاعجاب في مناطق العالم المختلفة عدا الولايات المتحدة وبعضاً من حلفائها في أوروبا الغربية وخارجها.
 
نشرت بمجلة الدبلوماسى عدد- أغسطس - أكتوبر 2018 " فرص و تحديات الذكاء الإصطناعى" .

 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

75 عاماً على العلاقات المصرية / الروسية

 يوافق هذا العام ذكري مرور 75 عاماً على قيام العلاقات الدبلوماسية المصرية الروسية . ولم يشأ...   المزيد

الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بقلم...

 تبدأ الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة عادةً في الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر من...   المزيد

مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة الـ 73 للجمعية...

 شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة،...   المزيد

هل مازال بوتين يراهن على ترامب؟

 فى مسلسل لا يبدو أنه سينتهى قريباً، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فى 9 أغسطس الجارى عن حزمة...   المزيد

الخروج من حالة الفضاء العربى20/8/2018

من أهم مخرجات ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 أن المجتمع المصرى كان رافضا «حالة»، ويريد...   المزيد