الثلاثاء ١٦ أكتوبر, ٢٠١٨ 

أنشطة الأعضاء

75 عاماً على العلاقات المصرية / الروسية

 يوافق هذا العام ذكري مرور 75 عاماً على قيام العلاقات الدبلوماسية المصرية الروسية . ولم يشأ البلدان ان تمر المناسبة دون الاحتفاء بها، حيث أعلن مؤخراً عن زيارة قريبة للرئيس السيسي لروسيا هي الخامسة له، والتي تجيء بعد أقل من شهر على لقائه بالرئيس الامريكي في نيويورك في لفتة لا تخلو من مغزي.

والمراقب لعلاقات مصر بالاتحاد السوفيتي السابق ووريثته روسيا الاتحادية يجد أنها مرت بفترات صعود وهبوط الي ما يشبه التجميد الكامل . فبعد سنوات من التعاون الكبير بين الجانبين في كافة المجالات، إبان حكم الراحل عبدالناصر، تجسد في بناء قاعدة صناعية مصرية شملت مشاريع عملاقة ، فضلاً عن تسليح الجيش المصري، شهد حكم الراحل السادات تراجعاً كبيراً في العلاقات بدأ بطرد الخبراء السوفييت في يوليو 1972 ، وهو مالم  يمنع موسكو من المضي قدماً في المساهمة في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ومساندتها في حرب اكتوبر 1973، ثم الالغاء المنفرد لمعاهدة الصداقة والتعاون في مارس 1976، تلاه تخفيض مستوي التمثيل الدبلوماسي الي مستوي القائم بالأعمال ، بعد توقيع معاهدة كامب دافيد وتحول السادات غرباً صوب الولايات المتحدة الامريكية .
 
وما ينبغي الاشارة اليه هنا أن إرث حكم السادات خلق شكوكاً لدي موسكو – ما تزال ظلالها حتي اليوم – ازاء توجهات سياسة مصر الخارجية والقناعة بصعوبة مضي القاهرة في تعاونها الي المدي الذي تطمح اليه روسيا، خاصة الجوانب العسكرية والاستراتيجية للعلاقات ، التي تعتقد أن علاقاتها بمصر مرتبطة بشدة بترمومتر علاقات القاهرة بواشنطن ، وأن الاولي تلجأ لموسكو فقط عندما تتعقد علاقاتها بالثانية .

وقد عادت علاقات البلدين كاملة في سبتمبر 1984 بقرار من الرئيس الاسبق مبارك، حيث شهدت تطورات ايجابية في عهده، لاسيما خلال السنوات العشر الاخيرة من حكمه ، والتي زار خلالها موسكو أربع مرات.

وقد جاءت ثورة 30 يونيو 2013 فاتحة لمرحلة جديدة في علاقات البلدين، حيث توافرت لدي الجانبين الارادة السياسية القوية لإعادة الدفء لهذه العلاقات ، وان اختلفت أسباب كل منهما وراء ذلك. فقد استقبلت موسكو ثورات الربيع العربي بقدر كبير من التوجس محملة الغرب مسئولية الوقوف وراءها ودعم الاسلام السياسي للوصول للحكم تحت دعاوي زائفة كالديمقراطية، وهو ما يؤلب الجماعات المتشددة في جمهوريات شمال القوقاز الروسية ذات الأغلبية الاسلامية وإمكانية امتداد ذلك الي منطقة نفوذها في دول الفضاء السوفيتي السابق . و في ضوء الموقف الامريكي السلبي من ثورة 30 يونيو وتردده الواضح في دعمها، بل وتجميد جانب من المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر، بدأت القيادة المصرية في تبني سياسة خارجية مستقلة تقوم على تنويع الخيارات، وهو ما تلاقي مع اهتمام روسيا بتعزيز دورها في المنطقة خاصة في ضوء تداعيات الازمتين الليبية والسورية على مصالحها في الاقليم.
وهكذا فإنه منذ الزيارة الاولي للرئيس السيسي لموسكو في 14 نوفمبر 2013- وقت ان كان نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع ومعه وزير الخارجية السابق نبيل فهمي – عكست المشاورات السياسية بين البلدين تقاطعاً واضحاً بين أولويات الأمن القومي المصري وبين اهتمامات ومصالح الجانب الروسي في المنطقة، وهو ما ساهم في ايجاد مساحة كبيرة مشتركة تلاقت فيها الرؤي حيال معظم الملفات الاقليمية والدولية .

وقد شكلت الازمة الاوكرانية وضم القرم عاملاً حاسماً في توجه روسيا شرقاً لتطوير علاقاتها بالدول غير الغربية وعلى رأسها الصين ودول أخري من بينها إيران و مصر والهند والعديد من دول آسيا وتركيا على أمل أن يعوضها ذلك عن التداعيات السلبية للعقوبات الامريكية والاوروبية عليها. وبعد أن باتت روسيا منافساً جيوسياسياً مقلقاً للغرب، خاصة مع تصميم بوتين على الاحتفاظ بالقرم وتعظيم قدرات بلاده النووية الاستراتيجية والصاروخية، يلاحظ المراقب ضغوط واشنطن على الدول الصديقة أو الحليفة لها ارتباطاً بعلاقاتها بروسيا كالهند مثلاً . وقد أشير مراراً الي عدم رضاء واشنطن عن تنامي علاقات القاهرة بموسكو والحاجة الي مراجعتها ، وذلك في دوائر اعلامية وبحثية امريكية، و في مناقشات مجلسي الشيوخ والنواب . وهنا كثيراً ما يؤكد الرئيس السيسي ان انفتاح مصر على روسيا – أو غيرها – ليس موجهاً ضد أحد ، وهو ما يؤكده الروس أنفسهم ، وأن علاقات القاهرة بموسكو ليست بديلاً عن علاقاتها بواشنطن والعكس.

والواقع أن الخطاب السياسي للرئيس بوتين واعتياده توجيه انتقادات للولايات المتحدة والغرب في مناسبات مختلفة ، قد رسّخ في أذهان الشعوب العربية والاسلامية اعتقاداً زائفاً بأن هناك حالة عداء دائمة بين موسكو وواشنطن، وهو مالا يتفق وواقع الحال حيث تسعي روسيا دائماً الي تحسين علاقاتها بالغرب، بل وتراها أولوية لها . وعادة ما يترك بوتين – رغم انتقاداته للغرب ومسلسل العقوبات - الباب مفتوحاً للقبول بتوافقات تحفظ له حداً أدني من العلاقات بالدول الغربية حفاظاً على مصالح روسيا معها. 

و إن كانت روسيا تسعي الي استعادة نفوذها في المنطقة من خلال ملئ الفراغ الناجم عن مسلسل الفشل في المقاربة الامريكية لمشكلات المنطقة وانحسار نفوذها فيها، إلا أنها – وعلى خلاف الاتحاد السوفيتي السابق – تتبني سياسة واقعية لا علاقة لها بالأيديولوجية، وهو ما أكسب روسيا نفوذاً سياساً حقيقياً ، حيث فتحت أغلبية دول المنطقة – رغم ما بينها من تناقضات وخلافات– قنوات ودية مع موسكو التي تبتعد في تعاملاتها عن إسداء النصائح و التعالي والغطرسة ولغة التهديد وفرض الشروط على النحو الذي تتسم به السياسة الامريكية. وهكذا يمكن القول بأن موسكو لا تبحث عن " حلفاء " وانما " شركاء " يمكن تقاسم المنافع معهم، وهو درس استخلصته روسيا من تجربة الاتحاد السوفيتي السابق. 

أخيراً ، وبجانب التعاون العسكري، هناك امكانات واعدة لتعاون مصري / روسي مثمر في كافة المجالات، لاسيما التعاون الاقتصادي والعلمي والفني ، وهو ما لم يبذل الجانبين بشأنه جهداً كافياً رغم هذه الامكانات، حيث تظل الاستثمارات الروسية في مصر متواضعة للغاية كما أن تراجع السياحة الروسية انعكس سلباً على حجم التبادل التجاري الذي يميل بشدة في غير صالح مصر.

نشر المقال على جزأين بجريدة المصرى اليوم يومى 7، 8 أكتوبر 2018
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1330681
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1331010 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بقلم...

 تبدأ الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة عادةً في الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر من...   المزيد

مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة الـ 73 للجمعية...

 شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة،...   المزيد

العلاقات الروسية / الصينية في عالم متغير

 في احتفالية كبري بقاعة الشعب في بكين في 8 يونيو الماضي، منح الرئيس الصيني " جينبينج " نظيره...   المزيد

هل مازال بوتين يراهن على ترامب؟

 فى مسلسل لا يبدو أنه سينتهى قريباً، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فى 9 أغسطس الجارى عن حزمة...   المزيد

الخروج من حالة الفضاء العربى20/8/2018

من أهم مخرجات ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 أن المجتمع المصرى كان رافضا «حالة»، ويريد...   المزيد