الثلاثاء ١٩ مارس, ٢٠١٩ 

أنشطة الأعضاء

لا يوجد نموذج واحد للتقدم...د. على الدين هلال

جاء سؤال الصحفى الالمانى للرئيس عبدالفتاح السيسى فى المؤتمر الصحفى الذى اعقب مؤتمر القمة العربى الاوروبى مباشرا ومستفزا، وجاء رد الرئيس منضبطا وواضحا وعميقا. كان ردا لا تنقصه الصراحة، ولم يكتف بالإجابة عن السؤال المباشر، ولكنه أثار قضية أكبر وهى العلاقة بين اوروبا والعرب. وكانت فرصة للمكاشفة والمصارحة، فالشراكة الجادة تقوم على تحديد عناصر الاتفاق والاختلاف، ووجود اختلافات فى وجهات النظر هو امر طبيعى بين أى دولتين او مجموعتين من الدول.

الموضوع المباشر كان عن حالة حقوق الانسان فى مصر، وكانت المفوضية السامية لحقوق الانسان بالامم المتحدة قد انتقدت احكام الاعدام التى نفذت على من تمت ادانتهم فى اغتيال النائب العام هشام بركات وسايرتها منظمات اخري، أما الموضوع الاعمق فهو ان هناك فى اوروبا والغرب عموما من يضع نفسه فى موقع الواعظ او المعلم الذى يرشد الآخرين الاقل تقدما الى سواء السبيل، ويعطيهم دروسا فى الاخلاق. جوهر المشكلة هو اعتقاد البعض فى اوروبا والغرب ان نموذج التطور الاجتماعى الاوروبى هو الشكل الاسمى لتقدم البشرية، وان على كل الدول والمجتمعات الساعية الى التقدم، ومنها العربية بالطبع، ان تحذو حذو هذا التطور وان تتشبه بهذا النموذج بغض النظر عن اختلاف الظروف والثقافات السائدة. وينبنى هذا التصور على التسليم بسمو هذا النموذج الاجتماعي- الثقافى على غيره من انماط المجتمعات، وهى الفكرة التى تُسمى التمحور حول الذات، وهى فكرة خاطئة تاريخيا ومرفوضة اخلاقيا.

ولا يستطيع احد ان يجادل ان اوروبا قادت حركة التقدم والعمران فى العصر الحديث، ومنها انبعثت الثورة الصناعية والرأسمالية، ونشأت الحركات الدستورية والديمقراطية والعمالية والقومية، وتبلورت الدولة الوطنية الحديثة، الى غير ذلك من مظاهر التحضر والمدنية .ولكن الوجه الآخر لذلك، ان اوروبا شهدت فى داخلها حروبا مدمرة كحرب الثلاثين عاما، وأطلقت العنان للقوى الاستعمارية التى سيطرت على ارجاء العالم، وادت التنافسات والصراعات بين تلك القوى الى حربين عالميتين أودت بحياة ملايين البشر.

كما لا يستطيع احد ان يجادل فى فضل اوروبا العلمى والثقافى على بلادنا ، فرحل الطلاب العرب الى جامعاتها طلبا للعلم، وتُرجمت معارفها وكتبها الى اللغة العربية، واقُتبس كثير من نظمها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والتعليمية. ولكن الوجه الآخر لذلك، كان هو نهب واستنزاف ثروات الدول التى خضعت لاحتلال احدى الدول الاوروبية، وضرب الحركات الوطنية فيها، ووأد التطور الدستورى لها، واعادة هيكلة قوانينها ومؤسساتها بما يضمن مصالح الدولة الاستعمارية.

ويسخر التاريخ الحديث للبلاد العربية بسياسات المراوغة والخداع التى مارستها الدول الاستعمارية الاوروبية فيها. والحقيقة ان، استمرار اوضاع التخلف والضياع فى كثير من بلادنا يعود فى جزء اساسى منه الى الموروث الاستعماري، كما انه يعود الى السياسات الخاطئة التى اتبعتها النظم الحاكمة فى هذه الدول. وليس فى ذهنى قط تبرئة النظم الحاكمة من مسئولية ما يحدث ولكن قصدت تأكيد ان العوامل الخارجية كان لها وما زال دور مهم فيما وصلنا اليه وما نعيشه.

لقد تجاوز العالم اليوم فكرة النموذج الواحد الذى يجب ان يقتدى به الآخرون، وهناك دول كالصين وروسيا، و ماليزيا وعديد من الدول الاسيوية التى سلكت مسارات اخرى لتحقيق تقدمها، فاختلاف الثقافات والظروف الاجتماعية والاقتصادية للدول تفرض عليها اولويات مختلفة وتدفعها الى تبنى مسارات وترتيبات متنوعة، وعلى سبيل المثال فان التطور الاوروبى ادى الى تبنيها سياسات تتعلق بشأن مفهوم الاسرة والعلاقات بين الرجال والنساء او بين افراد النوع الواحد لا يمكن اعتبارها سياسات وقيما عالمية، بحكم تناقضها مع المعتقدات الدينية للشعوب الاخري. ومع ذلك ،فمن الغريب ان هذه الامور اعتبرت من قبيل الحقوق. ونفس الشيء ينطبق على الانتقادات الموجهة الى عقوبة الاعدام، فصحيح ان هذه العقوبة لم تعد قائمة فى دول الاتحاد الاوروبى الا انها موجودة فى الولايات المتحدة وفى كثير من دول العالم. واذا كان من حق الدول الاوروبية ان تلغى هذه العقوبة وان تصدر المواثيق الدولية المدعمة لذلك ، فإنه من حق الشعوب الاخرى التى تؤمن بان تلك العقوبة جزء من معتقداتها الدينية وتحرص على ضمان حقوق الضحايا ان تبقى عليها. 

وكذلك فى الدول التى تتعرض لأعمال ارهاب منظم ومستمر ومدعم من الخارج ان تبقى هذه العقوبة لضمان عدم افلات المذنبين من عقوبة ما اقترفوه من جرائم. وليس المقصود مما تقدم التقليل من شأن حقوق الانسان او تبرير انتهاكها، فهذا امر لا يحتمل المراوغة، ولكن لا بد ان نضع الامور فى نصابها، فحقوق الانسان تشمل الحقوق المدنية والسياسية وايضا الاقتصادية والاجتماعية، والفقر المدقع والامية وانتشار الخرافات هو عدوان اصيل على حقوق الانسان ، واعمال الارهاب تنكر أهم حق وهو حق الحياة، لذلك فان نشر التعليم وتمكين المرأة وتوفير فرص العمل والارتقاء بمستوى معيشة الناس والارتفاع بمستوى صحتهم وغيرها من السياسات الاقتصادية والاجتماعية يدخل فى خانة توفير الظروف الموضوعية لممارسة الانسان حقوقه السياسية.

لقد كان احد عناوين مؤتمر القمة العربى الاوروبى هو الحوار وليس المواجهة، فهل نتطلع الى مرحلة جديدة من العلاقات الاوروبية العربية تقوم على فهم اعمق لظروف الطرف الآخر، والاحترام المتبادل للثقافات المختلفة حتى يصبح العالم اكثر تعددية بحق.

نشرت بجريد الاهرام يوم الأحد 3 مارس 2019، عدد 48299 و رابط دائم:
 http://www.ahram.org.eg/NewsQ/698601.aspx
 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

يوم الشهيد- السفير عبدالرءوف الريدى 12-3-2019

 يوم الشهيد - السفير عبد الرءوف الريدى 12/3/2019  المزيد

إفريقيا والقانون الدولى ، سفير د. حسين عبدالخالق حسونة

 إفريقيا والقانون الدولى ، سفير د. حسين عبدالخالق حسونة 12-3-2019  المزيد

الغرب وبقايا داعش -السفير محمد بدر الدين زايد 23/2/2019...

 الغرب وبقايا داعش -السفير محمد بدر الدين زايد 23/2/2019    المزيد

الانسحاب الأمريكي من سوريا لابتزاز الشركاء

 مساعد وزير الخارجية السابق للشئون العربية والشرق الأوسط: الانسحاب الأمريكي من سوريا لابتزاز الشركاء16/2/2019  المزيد

أليس من الأجدر التقريب بين المذاهب

 أليس من الأجدر التقريب بين المذاهب - سيد ابو زيد عمر5/2/2019  المزيد