الأربعاء ٢٤ يوليه, ٢٠١٩ 

أنشطة الأعضاء

التصعيد التركي غير المبرر في شرق المتوسط9/5/2019

 أثار إعلان تركيا مؤخراً عن بدء انشطة التنقيب عن الغاز في منطقة غرب جمهورية قبرص ردود فعل واسعة من جانب العديد من الدول بما فيها مصر والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي. ففي بيان لها في 4 مايو الجاري حذرت الخارجية المصرية أنقرة من اتخاذ أي اجراء أحادي الجانب فيما يتعلق بأنشطة حفر أعلنتها انقرة في منطقة بحرية غرب قبرص ، مشيرة الي أن اقدام تركيا على أي خطوة دون الاتفاق مع دول الجوار في منطقة شرق المتوسط قد يكون لها أثر على الأمن والاستقرار في المنطقة، مؤكدة ضرورة التزام كافة دول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه.

وكانت تركيا قد أعلنت قبل أكثر من عام عن أنها ستبدأ التنقيب عن النفط والغاز قرب قبرص في سياق تصعيدها العدواني تجاه الجمهورية القبرصية منذ عام 2011، عندما أعلنت الاخيرة عن اكتشاف حقل  "أفروديت" العملاق في منطقتها الاقتصادية الخالصة، بواسطة شركة " نوبل أنرجى" الامريكية  والذي يبعد نحو 34 كيلو متراً  عن حقل " ليفياثان " المقابل له في اسرائيل. وفي ضوء هذا الاكتشاف الضخم ، الذى يتراوح احتياطيه ما بين 6 – 7 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، كان من الطبيعي أن تهتم شركات النفط العملاقة بالعمل في  المنطقة خاصة تلك التي تمتلك تأثيراً سياسياً لا يستهان به في سياسات بلادها مثل شركة توتال الفرنسية وشركة أكسون موبيل الامريكية، التي أعلنت مؤخراً اكتشاف حقل " جلافكوس" جنوب غرب قبرص ( حوالي 5/8 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي).

والحقيقة أنه منذ قيام مصر بإعادة ترسيم حدودها البحرية مع قبرص وقيام هذه الاخيرة بترسيم حدودها البحرية مع اليونان وفقاً لأحكام اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، صعدت تركيا من لهجتها العدوانية تجاه قبرص بصفة خاصة، وهو ما يرجع الي حقيقة ان أنقرة لا تعترف بجمهورية قبرص، الامر الذي تعتقد معه أن لها الحق فى الادعاء بتبعية بعض أجزاء من المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص لإمتدادها القارى. ذلك ان تركيا كانت قد أسقطت رؤيتها الخاصة بها للحدود البحرية في  المتوسط على خريطة تظهر  قبرص مقسمة الي جزئين : الجزء الشمالي والمسمى بقبرص التركية، والجزء الجنوبي المسمى بقبرص اليونانية. وتضمنت الخريطة التصور التركي الغريب لتعيين الحدود البحرية مع دول حوض المتوسط المجاورة والمقابلة لها ومن بينها مصر. وبناء على هذا التصور الشاذ وقعت تركيا" والجمهورية القبرصية الشمالية التركية"، والتي لا تعترف بها أي دولة في العالم بخلاف تركيا، اتفاقاً لتعيين حدود بحرية بينهما في سبتمبر 2012 والاقرار لــــ"قبرص الجنوبية اليونانية " بإثنى عشر ميلاً بحرياً فقط كمياه اقليمية في مواجهة الساحل الغربي لقبرص معتبرة إياها مجرد جزيرة وليست دولة، و بالتالى تدعي حكومة أردوغان بأن استكشاف والتنقيب عن النفط والغاز هو حق مشروع للقبارصة الاتراك.

 والواقع ان التصعيد التركي وما تبعه من عسكرة لشرق المتوسط يرجع الي جذور أعمق مما تدعيه تركيا من حماية حقوق القبارصة الاتراك. ذلك ان أنقرة تري أن التعاون القائم بين قبرص ومصر واليونان واسرائيل، والذى تجسد في الاعلان عن انشاء منتدي للتعاون في غاز المتوسط في أعقاب مؤتمر عقد في القاهرة  في يناير 2019 شاركت فيه سبع دول هي كلاً من مصر واليونان وقبرص واسرائيل وفلسطين وإيطاليا والاردن، يشكل  تهديداً خطيراً لأمنها القومي. وسبق إعلان القاهرة قيام تعاون ثلاثي قبرصي يوناني اسرائيلي في قطاعات استراتيجية عديدة، بما فيها التعاون الاستخباراتي والعسكري، رأت فيه تركيا تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ومن هنا بدت أنقره منعزلة عن جوارها، ومن ثم تحاول بتصعيدها الحالي وقف المزيد من التعاون فيما بين دول شرق المتوسط في قطاع يمثل أهمية حيوية بالغة، وذلك من أجل تقليص ما تراه تهديداً لطموحاتها ومصالحها القومية. ولعل ذلك ما يفسر التصريحات المتكررة للمسئولين الاتراك بأن " لا شيء يمكن ان يحدث في تلك المنطقة دوننا ". وبمعنى أخر يجئ التصعيد التركي في ضوء عدم قدرة أنقرة على تحقيق طموحاتها كمعبر أساسي للغاز لأوروبا سواء من روسيا أو من الشرق الاوسط، خاصة وان حكومة أردوغان كانت قد وضعت ذلك على رأس اولوياتها منذ اكثر من عقد،  وهو ما كانت قد حققت فيه بعض النجاح عندما وقعت في عام 2014 اتفاقاً مع روسيا لبناء خط انابيب لنقل الغاز الروسي الي الاراضي التركية عبر قاع البحر الاسود. 

والخلاصة أن الموقف التركي، الذي يبدو منعزلاً تماماً في ضوء ردود الفعل الاقليمية والدولية عليه بل ومعارضة بعض نواب حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض له، ليس له أي سند قانوني، حيث تعتبر تركيا قبرص جزيرة وليست دولة وبالتالي لا يحق لها سوي الحصول على بحر اقليمي فحسب ( 12 ميل بحري)، وتجاهل أحقيتها كدولة عضو في الامم المتحدة في ترسيم حدودها البحرية مع الدول المجاورة والمقابلة لها، استنداً لاتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار والتي هي طرفاً من اطرافها، إضافة الي حقيقة عدم انضمام تركيا الي هذه الاتفاقية وعدم ايداعها نقاط اساسها لدي الأمين العام للأمم المتحدة بما يمكن الدول المجاورة أو المقابلة من تسجيل اعتراضها عليها متي كان هناك مقتضي ذلك. وبالتالي لا تجد أنقره سوي التصعيد للحصول على مكاسب تعويضية سواء من خلال الضغط على قبرص أو التحرش العسكري بسفن الشركات العاملة في شرق المتوسط، والتى يحلو لأردوغان وصفها بــ" قطًاع الطرق البحرية"، للمساومة في الحصول على دور في مشروعات امدادات الغاز وكسر العزلة الاقليمية التي فرضتها على نفسها. وهكذا و فى ضوء هذا الموقف التركى المنفلت باتت منطقة شرق المتوسط بمثابة مشكلة دولية مرشحة للتفاقم و الصراع بدلاً من أن تكون منطقة تعاون و تنسيق على أساس القواعد الدولية ذات الصلة بما يحقق مصالح دول و شعوب المنطقة التى تفاءلت كثيراً بالاكتشافات الهيدروكربونية الضخمة فى هذه المنطقة خلال السنوات الاخيرة.

نشرت بجريدة المصرى اليوم الخميس 9 مايو 2019 ، رابط دائم:
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1395679
 

 

 

المزيد من أنشطة الأعضاء

قمة مجموعة العشرين في أوساكا

 تناولت أجندة قمة أوساكا عدداً من القضايا الاساسية تتمحور حول عنوان رئيس" التجارة والاستثمار...   المزيد

«المصري للشئون الخارجية»: رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي فتحت...

 .إن رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي فتحت عهدا جديدا من التنمية والتعاون بين بلدان القارة السمراء  المزيد

حلف شمال الاطلنطي في عيده السبعين ...بقلم سفير د. عزت س...

 حلف شمال الاطلنطي في عيده السبعين ...بقلم سفير د. عزت سعد  المزيد

أشهر سفراء مصر في أمريكا: الرئيس السيسي يتحدث باسم العرب...

  أشهر سفراء مصر في أمريكا: الرئيس السيسي يتحدث باسم العرب وأفريقيا السفير عبد الرءوف الريدي خلال الحوار مع أسامة السعيد 9/4/2019   المزيد

1/4/2019سياسات مصر تجاه السلام ... معادلة الثوابت و المستجدات-...

 سياسات مصر تجاه السلام ... معادلة الثوابت و المستجدات- السفير د. عزت سعد   المزيد