ماذا تبقى من الصفقة النووية مع إيران؟
سبتمبر 14, 2020مصر والسودان شعب واحد فى دولتين
سبتمبر 18, 2020
استضاف المجلس المصري للشئون الخارجية بتاريخ 17 سبتمبر 2020 حلقة نقاشية مغلقة حول اتفاق التطبيع الذى أبرمته دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذا دولة البحرين، مع إسرائيل، وقد افتتحها السفير د./ منير زهران، بالقول بأن نتائج هذين الاتفاقين سلبية في مجملها، وأتت من جانب واحد، وجاءت كهدية للرئيس الأمريكى دونالد ترامب ولرئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لانتشالهما من اتهامات بالفساد وسوء الإدارة، لاسيما فى ظل الانتخابات الأمريكية الجديدة.
وفيما يلي أهم الاستخلاصات مما جرى من نقاش خلال الحلقة:
-
هناك العديد من الاعتبارات والدوافع التي تقف وراء توجه كلٍ من الإمارات والبحرين تجاه إسرائيل، وذلك رغم الخلافات حول تفسيرها. وتشمل التبريرات الشائعة فى هذا الصدد ما يلى:
-
الرغبة فى تعزيز الأمن القومي للبلدين ضد التهديدات الإيرانية وخطورتها.
-
الاعتبار السيادي لكلٍ من البلدين في تقرير ما يصلح لكلٍ منهما، فهذا الاعتبار لا يُعلَى عليه، وهو بالمناسبة كان أكثر العناصر المنغصة دوماً لإقامة منظومة عربية متماسكة وفعَّالة.
-
اعتبار اتفاقيتَي التطبيع الإماراتية والبحرينية مع إسرائيل مثل الاتفاقيتين اللتين وقعتهما مصر والأردن؛ فالبلدان الأخيران لم يتخلَّا عن الثوابت العربية تجاه إسرائيل ولا عن القضية الفلسطينية رغم الاتفاقين.
وقد ذهب معظم المشاركين في الندوة إلى ترجيح أن يكون السبب الرئيس وراء تلك التطورات الهامة هو العامل الإيراني، وأن توجهات الإدارة الأمريكية الحالية ضد إيران سرَّعت في حدوث التطبيع. ومن ثَّم، جاء توقيع الاتفاقيتين كدعم للرئيس الأمريكي الذي يناصب إيران العداء صراحة دعماً لإسرائيل واللوبي المسيحي الصهيوني الداعم لها، كما يرغب في دعم موقفه في الانتخابات بالتطبيع العربي مع إسرائيل.
-
توافق المشاركون على أن التداعيات المترتبة على اتفاقيتي التطبيع مع إسرائيل بالنسبة للجانب الفلسطيني هي كارثية على أقل تقدير، فضلاً عن أنها كشفت عن أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية العربية الأولى ذات التأثير الحاكم على طريقة تعاطي الدول العربية مع إسرائيل. إذ إن موقع هذه القضية قد تم ملأه بأمور أخرى مشتركة بين الدول العربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ويأتي في مقدمة ذلك مواجهة التهديدات الإيرانية والاستفادة من التقدم التكنولوجي الإسرائيلي.
-
في تقدير المشاركين، قضت اتفاقيتا السلام الجديدتان على أية فرصة لإحياء مبادرة السلام العربية، الأمر الذي يفرض التفكير خارج الصندوق، دون التخلي عن الثوابت. ويستدعي ذلك ظهور طرف فلسطيني جديد، مدعوماً من مصر والأردن بطبيعة الحال، نظراً للوضع الضعيف للطرف الفلسطيني الحالي. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن الاتفاقيتين تمثلان أول تجاوز رسمي للمبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت 2002 بناء على اقتراح ولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز والتي نصت على تطبيع عربي كامل للعلاقات مع إسرائيل بعد أن تلبي المطالب العربية المتضمنة في المبادرة وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين بموجب قرار الجمعية العامة 194 لعام 1948. وقد رأى المشاركون في رفض مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، في دورته العادية الـ 154 الأخيرة في سبتمبر الماضى، مشروع القرار الفلسطينى بإدانة أو رفض الاتفاق الإماراتي – الإسرائيلي مدخلاً لفكرة البدء بالتطبيع قبل الاستجابة للمطالب العربية، خاصة مع استراتيجية الإمارات الطموحة للغاية.
-
فى السياق عاليه، تم التأكيد على أن الاتفاقيتين تُبرِزان الإطار العام لخريطة الشرق الأوسط التي تتبلور أمامنا اليوم، والدور الأمريكي فيها، وأنه من المهم لإعداد تصور لهذه التطورات أن نأخذ في الاعتبار الخطوط الثابتة للسياسة الأمريكية وتلك المتغيرة لارتباطها بشخص رئيس أو ظروف إدارةٍ ما. ويمكن إيجاز هذا التصور في النقاط التالية:
-
توصلت النخبة الأمريكية إلى أن الشرق الأوسط لم يعد يحتل الأولوية التي كان يمثلها في السابق، وبالتالي يتعيَّن الحفاظ على المصالح الأمريكية به بقدر أقل من التكلفة المادية ومستوى أدنى من المخاطرة بأرواح الأمريكيين.
-
تحتل إيران منذ فترة موقعاً مركزياً في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بوصفها الدولة الإقليمية الوحيدة القادرة على تهديد المصالح الأمريكية ومواجهة إسرائيل. ويستند الموقف الأمريكي من عددٍ من نزاعات المنطقة إلى الحاجة لاحتواء التمدد الإيراني. وكان توصل إدارة أوباما وحلفائها للاتفاق النووي الإيراني، والذي أشّر لامتلاك إيران لقدرات نووية للاستخدام العسكري، مرتبطاً في التصور الأمريكي بترتيبات إقليمية موازية لاحتواء السلوك العدواني الإيراني، ووجدت الفرصة سانحة لأن تكون إسرائيل في قلب هذه الترتيبات. وجاءت جهود وزير الخارجية الأسبق جون كيري لإحياء عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية في إطار هذا التصور الإقليمي الأشمل.
-
مع انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووى الإيرانى من جهة، وطرح رؤية ترامب للسلام من جهة أخرى، والتى تهدم أسس التسوية وفقاً للتصورات السابقة، بل تقضى على حل الدولتين، لم تتغير الخطوط العريضة للرؤية الأمريكية، حيث إن رؤية الإدارة للتسوية السلمية – بغض النظر عن مضمونها – لم تكن سوى غطاء سياسى لعملية التطبيع العربى الإسرائيلى تمهيداً لإنشاء نظام أمنى إقليمى جديد. وربما كان البعد الأهم فى الأفكار التى طرحها ترامب الخطوط العريضة لنظام اقتصادى يربط التطبيع العربى الإسرائيلى بإيجاد متنفس للسكان الفلسطينيين الواقعين تحت نظام الأبارتهايد الإسرائيلي الآخذ في التبلور في شكله الدائم، ومن هنا يمكن أن نرجح أن الإدارة القادمة – بغض النظر عن المرشح الذي سيفوز في الانتخابات – ستهتم بمحورين رئيسيين في سياستها الشرق أوسطية:
-
استكمال إنشاء النظام السياسي الأمني الاقتصادي الذي يضم إسرائيل والدول العربية، ويحتوي السكان الفلسطينيين بشكل قابل للاستمرار.
-
التوصل إلى ترتيبات جديدة مع إيران بشأن برنامجها النووي.
-
بالنسبة للتأثيرات المتوقعة على المصالح المصرية، توافق المشاركون على أن التصور الأمريكي – الإسرائيلي، والذي يقوم على رؤية ترامب كغطاء سياسي لعملية التطبيع العربي – الإسرائيلي تمهيداً لإنشاء نظام أمني إقليمي جديد تهيمن عليه إسرائيل، يتعارض بشكلٍ واضح مع تصورنا التقليدى للنظام العربي القادر على مواجهة أطماع الدول الشرق أوسطية غير العربية، ويؤدى إلى مزيدٍ من خلخلة النظام العربي، وإضعاف دور جامعة الدول العربية، ووضع مستقبل الشعوب العربية رهن تفاعلات الأطراف الدولية والإقليمية غير العربية، ومن ثَمَّ فهو يضيق مساحة التأثير المصري، بل وقد يساهم في تهميش الدور المصري، وقد يضعنا من جهة أخرى تحت ضغوط للانجراف نحو نزاعات مسلحة محتملة لا تتعلق بالأمن القومي المصري بشكل مباشر.
-
على الصعيد الاقتصادي، أشار المشاركون إلى احتمالات تأثر مصر سلبياً، سواء بالنسبة لإيجاد مسارات للبترول بديلة لقناة السويس أو تحويل إسرائيل إلى مركز توزيع الطاقة إقليمياً، أو توجيه جزء من الاستثمارات والسياحة العربية لإسرائيل، غير أن التأثير الأهم على الإطلاق يتعلق بالدور الذي تحتله سيناء فى التصور الأمريكي – الإسرائيلي للتنفيس عن الضغوط الاقتصادية والسكانية فى الأراضى الفلسطينية، ما يبرز حساسية الموضوعات التى تواجه صانع القرار المصرى فى المرحلة المقبلة، ودقة التوازنات المطلوب مراعاتها.
-
حول النظام العربي الرسمي، توافق المشاركون على أن هذا النظام تلقَّى ضربة موجعة جداً، وأنه من المصلحة أن تصمد جامعة الدول العربية وأن تسعى للحفاظ على ما تبقى من ذلك النظام، عبر البناء على المشتركات وتجنب إثارة الخلافات. وقد أُشِير في هذا السياق إلى جهود الأمين العام للجامعة لبلورة مفهوم محدد للأمن القومي العربي، والنظر إلى كافة الشواغل والقضايا العربية من منظور أفقي وليس رأسي، بمعنى المساواة بينها جميعاً في أهمية معالجتها، غير أن هذا الطرح لم يلقَ إرادة سياسية جادة تؤدي إلى اعتماده حتى الآن.
-
لم يفُت بعض المشاركين إجراء مقارنة بين دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر ارتباطاً بمؤشرات التنمية البشرية، خاصة فيما يتعلق بالتعليم والبحث العلمي والتقدم العلمي والتكنولوجي وبيئة ممارسة الأعمال والفجوة الكبيرة في هذا الشأن بين مصر وكلٍ من إسرائيل والإمارات، وهو تحدٍ يتعيَّن على الدولة المصرية مواجهته والتعامل معه بأقصى درجات الأهمية لارتباطه الوثيق بالدور الإقليمي والدولي لمصر.