مسيرة التنوير
مايو 27, 2021العيش من أجل الوطن والاستشهاد فى سبيله
يونيو 1, 2021
فى ندوة افتراضية بعنوان “التعاون بين الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية: قصص وآفاق”، نُظِّمَت بالتعاون مع شبكة المنظمات غير الحكومية الصينية للتشاورات الدولية (CNIE)، تحدث السفير د./ عزت سعد، مدير المجلس– مقدماً مشاركة المجلس فى الندوة- مؤكداً أن العلاقة بين المجتمع المدنى وحقوق الإنسان، هى إحدى أكثر العلاقات عضوية، إذ إن الأصل فى مفهوم المجتمع المدنى أنه مستوى وسيط بين الدولة والأفراد، يقوم بتنظيمهم والتعبير عن مصالحهم، والتى هى فى أصلها حقوق، أياً كانت طبيعتها، فى مواجهة الدولة؛ حيث يُعتبر وجود مجتمع مدنى نشط وفاعل شرطاً لعلاقات بناءة بين الدولة والمجتمع، وضرورة لعمل دولة تضع المواطن في محور اهتمامهاً وتتخذ التنمية نهجاً لها. وفى كثيرٍ من الأحيان، تقوم منظمات المجتمع المدنى غير الحكومية بلفت الانتباه إلى الاختلالات ذات الصلة، ويتيح للفئات المهمشة التعبير عن رأيها لتحقيق مطالبها. وبهذا، فإن المنظمات غير الحكومية تمثل إسهاماً مهماً فى تحقيق التماسك الاجتماعى والاستقرار طويل الأمد داخل المجتمع. وفى المقابل، تتيح حقوق الإنسان البيئة الآمنة اللازمة والداعمة لتلك المنظمات لأداء دورها. ولهذا، تُعد المنظمات غير الحكومية من المؤسسات الأساسية، التى تحتل فيها قضايا حقوق الإنسان موقعاً مهماً، خاصة إذا اتسعت الرؤية لتشمل كافة الحقوق سواء مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، وكذلك الحقوق الجماعية.
وأضاف أنه ،على صعيد مماثل، فإن العلاقة الوثيقة بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من ناحية والحقوق المدنية والسياسية من ناحية أخرى تحتاج إلى رؤية كلية فى التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، فلا يمكن تصور تمتع المواطنين بممارسة حقوقهم السياسية، وهم محرومون من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والتي يمكن تلخيصها فى معنى واحد ومحدد وهو الحياة الكريمة. وبنفس المنطق، لا يمكن للمواطنين أن يتمتعوا بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون حصولهم على الحقوق المدنية والسياسية، فكما أن الحقوق لا تتجزأ، فإن الرؤى المطلوبة لتعزيزها لا يجب أن تتجزأ هى الأخرى.
كما تناول السفير/ سعد الاهتمام البالغ، و بصورٍ متنوعة، من قِبَل منظمة الأمم المتحدة بالعلاقة الوثيقة المذكورة بين المنظمات غير الحكومية وبين قضية حقوق الإنسان، بصفةٍ عامة؛ للتأكيد عليها؛ نظراً لدورها التكميلى الذى لا غنى عنه فى تحقيق السلام والرخاء والازدهار فى المجتمعات البشرية. فإقراراً بالعمل المهم، الذى تضطلع به المنظمات غير الحكومية، رسَّخت الأمم المتحدة فى ميثاقها أحكاماً بشأن التشاور معها وتطوير العلاقات بها، كما اعترف المؤتمر العالمى لحقوق الانسان، المنعقد فى عام 1993، بأهمية دور المنظمات غير الحكومية فى تعزيز مختلف حقوق الانسان والأنشطة الإنسانية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. وعبَّر المؤتمر- بشكل خاص- عن تقديره لمساهمة المنظمات غير الحكومية فى زيادة الوعى العام بقضايا حقوق الإنسان، والحق فى التعليم والتدريب والبحث فى هذا المجال. وأشار المؤتمر إلى أن للمنظمات غير الحكومية الحق فى القيام بأنشطة حقوق الإنسان بدون أى تدخل من طرف آخر، على أن يتم القيام بذلك فى نطاق القانون الوطنى، ووفقاً للإعلان العالمى لحقوق الإنسان (1948) والمواثيق الدولية ذات الصلة، مثل: الميثاق الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ونظيره الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966).
واستطرد أنه، فى سياقٍ متصل، أبرز مؤتمر القمة العالمية، فى سبتمبر 2005، أهمية إسهام المنظمات غير الحكومية فى تعزيز حقوق الإنسان وما يتعلق بها من برامج مختلفة فى شتى المجالات. وذكَّر مكتب المفوض السامى لحقوق الإنسان- آنذاك- بالمساهمات الجادة لتلك المنظمات فى مجال تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، كما أكد أن المدافعين عن حقوق الإنسان هم شركاء أساسيون فى تفعيل برنامج عمل عالمى لحقوق الإنسان. وأسست المفوضية السامية لحقوق الإنسان مكتباً خاصاً لتسهيل انخراط هذه المنظمات معها، كما أصدرت الكتاب الإرشادي للفاعلين فى المجتمع المدنى والمنظمات غير الحكومية- لأول مرة- فى عام 2008؛ وذلك انطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية، التى تمثلها تلك المنظمات للمفوضية فى دعم الأهداف المشتركة والاهتمامات المتبادلة والمبادرات ذات الصلة بمجال حقوق الإنسان.
ونوه السفير/ سعد إلى أنه ارتباطاً بما سبق، من المفيد استذكار أن الأمم المتحدة قد عملت على توثيق الصلات مع المنظمات غير الحكومية وتشجيعها على إقامة روابط مع المنظمة العالمية؛ بغية تحقيق هدف إنشاء مجتمع دولى ينعم بالأمن والسلام، وتسود فيه قيم الحرية والعدل والمساواة. فمن ذلك على سبيل المثال:
-
إمكانية حصول تلك المنظمات على مركز استشارى لدى المجلس الاقتصادى والاجتماعى، وهو ما يمكِّنها من العمل مع المجلس وكثير من هيئاته الفرعية، فضلاً عن كثير من آليات الأمم المتحدة للعمل في مجال حقوق الإنسان وغيره، إلى جانب المشاركة فى الفعاليات الخاصة التى تنظمها رئاسة الجمعية العامة. ولقد كان ذلك إحدى ثمرات وظيفة التواصل مع المنظمات غير الحكومية، التى أُنشِئَت في مكتب الأمم المتحدة في فيينا عام ١٩٧٩؛ بغية تسجيل المنظمات غير الحكومية؛ عملاً بالمبادئ التوجيهية التى وضعها المجلس الاقتصادى والاجتماعى؛ لتيسير مشاركة هذه المنظمات فى الاجتماعات، التى تُعقد تحت رعاية الأمم المتحدة، حيث إنَّ هذه المشاركة تسهم فى طرح أفكار وشواغل المجتمع المدنى ومعالجتها فى مداولات الآلية الحكومية الدولية فى الأمم المتحدة وقراراتها.
-
التعاون مع “وحدة المجتمع المدنى” التابعة لإدارة الأمم المتحدة للتواصل العالمى؛ التى تربط بين الأمم المتحدة وما يقرب من 1500 منظمة من المنظمات غير الحكومية المتواصلة معها، والمعنية بنشر المواد الإعلامية فى المجالات المختلفة، بما فى ذلك قضايا حقوق الإنسان. ولا ريب فى أن الارتباط بين المنظمات غير الحكومية وإدارة التواصل العالمى يساعد على بناء المعرفة والدعم للمنظمة على مستوى القواعد الشعبية.
-
صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، الذى أُنشِئ لدعم المشاريع الرامية إلى تعزيز صوت المجتمع المدنى وحقوق الإنسان وتشجيع مشاركة الجميع فى العملية الديمقراطية.
وذكر السفير/ سعد أنه إيماناً بأن وجود منظمات غير حكومية حيوية ومستقلة يُعَد عنصراً أساسياً فى تأمين حماية مستدامة لحقوق الإنسان فى شتى أرجاء العالم، فيجب البناء على القواعد الحالية وتطويرها بما يخدم هذا الهدف الأسمى. ولا ريب أنه من المهم الإشارة- فى هذا الصدد- إلى عدد من المسائل، التى يجب التعاطى معها فى هذا الشأن، وهى:
-
حث الدول الأعضاء على صياغة منظومة تشريعية داعمة لعمل منظمات المجتمع المدنى بداخلها؛ بما يسهم بشكل أساسى فى عملية بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المدنى، على أن تستند المنظومة التشريعية إلى مبدأ التضمين وليس الإقصاء، بمعنى أن يُنظَر لمنظمات المجتمع المدنى على أنها شركاء وكيانات فاعلة من أجل صالح المجتمع.
-
تطبيق مبدأ المكاشفة، بمعنى إتاحة جميع المعلومات المتوفرة لدى الهيئات العامة ومنظمات المجتمع المدني للفضاء العام، مع الأخذ فى الاعتبار الأمور التى تتعلق بالأمن القومى.
-
ضرورة تعزيز التعاون مع وحدة التواصل العالمى التابعة للأمم المتحدة، والاستفادة ممَّا تشمله من قنوات إعلامية واسعة مع المنظمات غير الحكومية، إلى جانب الاستفادة من التطورات التكنولوجية المتطورة، فى التأكيد على قضايا حقوق الإنسان ودعمها على صعيد أوسع، بما يشكل قوة ضغط على الجهات المعتدية.
-
الاستفادة من إمكانية تشارك الخبرات والتجارب الحقوقية، لاسيَّما المتميزة منها، فيما بين المنظمات غير الحكومية عبر منصة الأمم المتحدة؛ بغية توفير نماذج تطبيقية يُحتذَى بها فى هذا السياق.
-
الحث على ضمان إدارة رشيدة وديمقراطية لمنظمات المجتمع المدنى، من خلال الديمقراطية الداخلية، وتوسيع سلطات الجمعية العمومية فى الرقابة وتطبيق مبادئ الشفافية والمساءلة. وربما يكون من المفيد هنا استرجاع الضوابط، التى وضعتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ،مثل: منع تضارب المصالح، ووضع ضوابط الشفافية فى العلاقات التعاقدية بين منظمات المجتمع المدنى والمنظمات المانحة، وكذلك ضوابط كافية لمراجعة الحسابات داخلياً؛ مما يساعد على منع أفعال الفساد وغيرها.
-
التفكير فى التوسع فى إرساء آليات دولية ملزمة؛ لضمان عدم انتهاك حقوق الإنسان، وذلك على نحو ما جرى بشأن محاولة صياغة آلية دولية ملزمة بخصوص حق الإنسان فى التنمية، والتى شارك المجلس المصرى للشئون الخارجية بدلوه فيها( فى عام 2019).
-
وأخيراً، لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تلعب دوراً فعالاً فى ترسيخ معايير حقوق الإنسان دون رؤية كلية للمنظومة الحقوقية ككل، تواكبها اقترابات متعددة للعمل وفقاً لاهتمام كل نمط من منظمات المجتمع المدنى، مع ضرورة الحوار والتنسيق المستمر.
وكان رئيس شبكة المنظمات غير الحكومية الصينية للتشاورات الدولية (CNIE) قد افتتح الندوة، فى 31 مايو 2021. وانطوت الندوة على جلستين، تناولت إحداهما السبل التى يمكن للمنظمات غير الحكومية المساهمة من خلالها بطريقة أفضل فى تعزيز الحوكمة العالمية لقضية حقوق الإنسان، فيما تناولت الأخرى طرق مساهمة تلك المنظمات فى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، التى تسعى المنظمة الدولية إلى تحقيقها.