
مائدة مستديرة مغلقة حول “التطورات في سوريا ارتباطاً بالعملية العسكرية التركية في منطقة عفرين وتداعياتها على مجمل الأوضاع في البلاد”
فبراير 7, 2018
محاضرة حول “نشأة وتطور الحضارة المصرية القديمة”
فبراير 11, 2018إن الاحتفال هذا العام بالذكري الثالثة والسبعين لإنشاء جامعة الدول العربية يقتضي من المؤرخين والباحثين العرب وقفة تأمل وتقييم وتحليل ليس لتاريخ الجامعة فحسب بل لتاريخ الحركة القومية والعلاقات العربية بتناقضاتها وتفاعلاتها بل تاريخ منطقة الشرق الاوسط بأسرها، إذ اقترن تاريخ الجامعة وامتزج على مر السنين بكافة تلك الاحداث والتطورات. وقد شاهدنا أن المنطقة العربية واجهت منذ مطلع الالفية الثالثة تحديات كبري تتعلق بنشوب خلافات بين دولها ونزاعات داخلية وتدخلات خارجية وتباطؤ النمو الاقتصادي والانفجار السكاني والتدهور البيئي والشح المائي والتصحر وانتشار البطالة و تراخي سلطة القانون وتردي مستوي التعليم وتراجع الثقافة والعلم والفكر وبروز ظاهرة الارهاب التي أصبحت تشكل تهديداً مباشراً لمقومات الدولة وكيانها وسيادتها الوطنية واستقلالها. وبرغم شروع الدول العربية في مواجهة هذه التحديات بخطط وطنية طموحة واصلاحات شاملة وفقاً لرؤيتها الذاتية ومصالحها الوطنية، فلا شك أن هذه الجهود الفردية تكون أكثر فعالية وتأثيراً متي تمت في اطار جماعي عربي بالتعاون والتنسيق مع الدول العربية الشقيقة.
وربما يثور التساؤل كيف قامت جامعة الدول العربية بتناول هذه القضايا وايجاد الحلول لها في ضوء صلاحياتها والامكانيات المتوفرة لديها. فمن الواضح ان هناك عوامل متعددة تؤثر في نشاط الجامعة وتحد من فعاليتها، إذ تعاني الجامعة اسوة بغيرها من المنظمات الدولية والاقليمية من عراقيل وسلبيات مختلفة، لعل من أبرزها البيروقراطية المزمنة، وقلة الموارد المالية، وتأخر الاعضاء في سداد التزاماتهم المالية بل تعذر سدادها من قبل بعضهم، فضلاً عن عدم تطبيق الاعضاء للقرارات الصادرة عن الجامعة رغم التصويت لصالحها، وعدم انضمامهم الي الاتفاقيات المعقودة في اطار الجامعة والالتزام بإحكامها، وعدم التوافق على الاصلاح الهيكلي للمنظمة وتطويرها، وجميعها عراقيل تحد من قدرة الجامعة على الاضطلاع بمهامها وتؤثر في فرص نجاح العمل العربي المشترك .
وإذا طرحنا جانباً هذه السلبيات، فمن الانصاف الاعتراف بما قامت به الجامعة من انجازات عبر تاريخها منذ انشائها عام 1945 كأول منظمة اقليمية في ظل النظام الدولي المقام في اعقاب الحرب العالمية الثانية. فلنتذكر في المقام الاول أن كافة المبادرات العربية الجماعية والمواقف العربية الموحدة ازاء التحديات التي واجهتها الأمة العربية قد اتخذت في اطار الجامعة وصدرت برعايتها، كمبادرة السلام العربية، ومكافحة الارهاب والجريمة المنظمة، ومواجهة التهديد النووي الاسرائيلي، وانشاء منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسط، والتكامل الاقتصادي العربي، وصيانة الامن القومي العربي، وتوحيد التشريعات العربية، ودور المرأة والأسرة والطفولة، والثقافة والصحة، والاعلام، وحقوق الانسان، وحماية البيئة، والموارد المائية، واللاجئين الخ .. في كافة تلك المجالات لعبت الجامعة دوراً راعياً وتنسيقياً وخلاقاً سعياً إلي تحقيق المصلحة العربية العليا .
ومنذ سنواتها الأولي قدمت الجامعة مساندة قوية وفعالة للأقطار العربية الواقعة تحت وطأة الاستعمار، ودعمتها سياسياً ومادياً حتي نالت استقلالها وانضمت إلي عضوية الجامعة والأسرة الدولية. كما تأسست تحت رعاية الجامعة العديد من المنظمات العربية المتخصصة كخطوة هامة نحو بناء الكيان الجماعي العربي حيث أصبحت تشكل أداة للتعاون المثمر بين اعضاء الجامعة رغم وجود خلافات بينهم أحيانا داخل الجهاز السياسي الأم، بل إن مثل ذلك التعاون قد ساعد بدوره مراراً على تضييق نطاق تلك الخلافات .
وإذا ما استرجعنا تاريخ الجامعة لتبين لنا ان المنظمة قد لعبت منذ انشائها وحتي يومنا هذا، دوراً نشطاً في سعيها إلي احتواء العديد من الأزمات العربية وتسوية الخلافات بين اعضائها، وذلك من خلال تدخل مجلس الجامعة للوساطة وايفاد وفود لتقصي الحقائق وانشاء قوات للمراقبة ونشر قوات أمن عربية فضلاً عن الاعتماد على دور الأمين العام ومساعيه الحميدة – وكان المبدأ الأساسي الذي حرصت الجامعة على الالتزام به هو ضرورة حل الخلافات بين الدول الأعضاء داخل نطاق الجامعة وعن طريق أساليبها واجهزتها وليس في اطار خارجي، وذلك تأكيداً لدور الجامعة وحصراً للخلاف بين اطرافه ومنعاً للتدخل الخارجي – أما في حالات اتساع دائرة الخلاف وتشكيله تهديداً للسلم والأمن الاقليمي مما مهد لتوسط الامم المتحدة في الازمة، فقد سعت الجامعة دائماً إلي متابعة تلك الجهود الدولية ودعمها والتنسيق معها من منطلق مسؤولياتها القومية ازاء كافة القضايا والازمات العربية.
ومن بين الأدوار التي لعبتها الجامعة في تلك الأزمات يمكننا ذكر ايفادها بعثة لتقصي الحقائق الي اليمن عام 1948 لتحديد الحكومة الشرعية في النزاع الداخلي على السلطة تمهيداُ لقبول تمثيلها في الجامعة، وقيامها ببذل المساعي الحميدة لاحتواء أزمة الحدود بين مصر والسودان عام 1958 حول منطقتي حلايب وشلاتين، وطرحها مشروع قرار عربي على الامم المتحدة ابان أزمة لبنان عام 1958 حظي على موافقة بالإجماع وتضمن صيغة حل النزاع على أساس مبادئ ميثاق الجامعة واحكامه، ونجاحها في تسوية كافة المسائل الخلافية المعلقة بين سوريا ومصر والمترتبة على الانفصال عام 1961، وايفادها قوات أمن عربية إلي الكويت عام 1961 إثر تهديد استقلالها من قبل العراق، ووساطتها في أزمة الحدود بين المغرب والجزائر عام 1963 بالمشاركة مع منظمة الوحدة الافريقية، وايفادها لجنة وساطة لإيقاف المواجهة العسكرية بين اليمن الشمالي والجنوبي عام 1972 تمهيداً لرعايتها المفاوضات بين الطرفين التي اسفرت عن السلام وتوحيد البلاد، وادانتها لعدوان العراق على الكويت عام 1991 مع اقرارها باستخدام كافة الوسائل لتحريرها، وسعيها إلي احتواء أزمة مفتشي الامم المتحدة ابان أزمة العراق عام 2002 وحل أزمة الأسري الكويتيين، وايفادها بعثة مراقبة الي سوريا خلال أزمتها عام 2012 قبل طرحها على الامم المتحدة في محاولة للتوصل إلي تسوية سياسية بالتشاور والتنسيق مع الجامعة .
أما القضية الفلسطينية فقد احتلت على الدوام مكان الصدارة ضمن اهتمامات الجامعة وأولويات العمل العربي المشترك، فأفرد لها الميثاق ملحقاً خاصاً، ثم تم انشاء اجهزة رئيسية للدفاع عنها وتنسيق سياسات الدول الأعضاء تجاهها كجهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل عام 1952 وجهاز الاعلام عام 1953، وساندت الجامعة فلسطين سياسياً على الصعيد الدولي وفي المحافل الدولية مما اسفر عن توسيع دائرة الاعتراف الدولي بفلسطين من قبل الامم المتحدة بصفة دولة مراقب، كما ساندتها قانونيا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ومادياً بدعم بناء الكيان الفلسطيني ومؤسسات الدولة الفلسطينية والحفاظ على عروبة القدس، فثبت بذلك انه رغم تعدد التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الدول العربية حالياً، فلا تزال فلسطين هي قضية العرب المركزية الأولي، وهو ما تأكد من خلال معركة القدس الأخيرة في الامم المتحدة حيث حقق العرب انتصاراً ساحقاً .
وفي المجال الاقتصادي، تمتلك المنطقة العربية كافة المقومات المطلوبة للتكامل الاقتصادي من موارد بشرية واقتصادية وثروات طبيعية ، ولكن لا تستثمرها حتي الأن الاستثمار المنشود. فلا تزال المنطقة تستورد الغلال والغذاء من الخارج، ولا يزال حجم التجارة البينية العربية متواضعاً، ولا تزال الحركة البينية بين الدول العربية للأفراد والبضائع ورؤوس الأموال خاضعة لقيود عديدة. وبالرغم من أن مسيرة التكامل الاقتصادي العربي قد بدأت بتوقيع اتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957، فإن مشروع منطقة التجارة العربية الكبرى لم يدخل بعد دور التنفيذ بسبب عراقيل عدة مثل صعوبة الاتفاق على توحيد قواعد المنشأ. والحقيقة أن الحكومات العربية قد وضعت التنمية الاقتصادية هدفا أساسياً لها وان خططها الوطنية تمثل أساس عملية التنمية في كل دولة عربية، إلا أن التكامل الاقتصادي على الصعيد العربي يدعم هذه الخطط ويعززها، بل ويسهم في ربط المنطقة بصورة أكبر بالاقتصاد العالمي .
وفيما يتعلق بتمثيل الجامعة الخارجي، فقد أدركت خلال رئاستي لبعثتها في كل من واشنطن ونيويورك مدي أهمية الدور الذي يمكن للجامعة الاضطلاع به في المجال الدولي – ففي الامم المتحدة تساهم بعثتها مع مجموعة الوفود العربية في الدفاع عن القضايا العربية وطرح الموقف العربي ازاءها أمام مختلف اجهزة الامم المتحدة، مما اكسبها تأييداً وتقديراً – وفي واشنطن نجحت بعثة الجامعة في اقامة تعاون وثيق مع المنظمات العربية الامريكية دعماً لدورها على الساحة السياسية الامريكية في مواجهة نشاط اللوبي الاسرائيلي. كما ساهم عمل البعثة الاعلامي والثقافي في توضيح الحقائق وتصحيح الصورة العربية خاصة في اعقاب احداث 11 سبتمبر 2001 وحرب العراق عام 2003 والثورات العربية عام 2011. وقد اتضح لي من خلال اتصالاتي ومحاضراتي ومشاركتي في ندوات مراكز الابحاث مدي الحاجة إلي تنوير الأمريكيين وتثقيفهم من أجل اقناعهم بعدالة قضايانا وهي مسؤولية الاعلام العربي متي توفرت له الخبرات والامكانيات المطلوبة.
وإني اتعجب كلما ارتفعت بعض الأصوات تلوم الجامعة وتحملها مسؤولية الوضع العربي المتردي، إذ أن هذا الانتقاد قائم على اغفال الحقائق او النظر إليها متفرقة مع تناسي التلاقي بينها وبين الظروف والملابسات المحيطة بها. فجامعة الدول العربية لا تعكس إلا صورة الأمة العربية مجتمعة شعوباً وحكومات، و إن محاولات اعتبارها قائمة بذاتها إنما تجافي المنطق والواقع ولا تخدم المصلحة العربية. فبقدر ما تريد لها وتساندها الحكومات والشعوب العربية تكون الجامعة قادرة على الاضطلاع برسالتها القومية. والحقيقة ان ما يحول بين الجامعة وأداء دورها المنشود هو غياب الإرادة السياسية العربية الموحدة، واختلاف الرؤي بين الدول الأعضاء، وتغليبهم المصالح القطرية الضيقة على المصلحة العربية العليا. إلا أن التحديات التي تواجه العالم العربي اليوم ستحتم على الدول العربية تغيير هذا المنهج تحقيقاً للحد الأدنى من العمل العربي المشترك – وفي هذا السياق تبدو أهمية اتخاذ الدول العربية الرائدة في العمل العربي المشترك كمصر والسعودية مبادرات لتوحيد المواقف وتعزيز التنسيق والتشاور بين الدول الاعضاء من خلال طرح مقترحات والدعوة إلي تبني مواقف وعقد لقاءات تركز على القضايا ذات الاهمية للعالم العربي – كما انه من سلطة أمين عام الجامعة اتخاذ مبادرات مماثلة. ويشهد تاريخ الجامعة كيف كانت لمثل تلك المبادرات أثراً على توحيد الصفوف بين الاعضاء وتنشيط العمل العربي المشترك.
وإذا ما استعرضنا المقترحات المطروحة حالياً لتطوير الجامعة واصلاحها، لتبين لنا انها تتضمن تطويراً للهياكل والمؤسسات، وتحديث الميثاق، وتفعيل الاتفاقيات، وتنفيذ القرارات، والمتابعة والتقييم، وتعزيز دور مجلس الأمن والسلم، وإنشاء محكمة عدل عربية ومحكمة لحقوق الانسان، وقوة عربية مشتركة. وقد تم دراسة كافة تلك المقترحات واعداد مشروعات بشأنها تمهيداً لإقرارها من مجلس الجامعة، إلا انها لم تر النور حتي الآن رغم الحاجة الماسة إلي التحديث والتطوير لمواجهة التحديات الاقليمية المتصاعدة والمتغيرات الدولية المتسارعة. ولعل صعوبة التوصل إلي توافق حول تلك الأمور وحسمها مرجعه اختلاف الرؤي بين الأعضاء وتباين آرائهم وخشية بعضهم من مساسها بسيادتهم . ومن هنا تبرز اهمية العمل على التوصل إلي رؤية موحدة بين الدول العربية سواء فيما يتعلق بالقضايا السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الأمنية، مما يتطلب عملاً تدريجياً وتنسيقاً متواصلاً على كافة المستويات بين الدول العربية.
وقد اثبتت جامعة الدول العربية عبر تاريخها انها الكيان الوحيد القادر على احتضان هذا العمل التنسيقي المتواصل لنشاطات يومية بين المسؤولين والمؤسسات والخبراء والاعلاميين والاكاديميين المنتمين للدول العربية. هذا فضلاً عن التنسيق القائم بين الجامعة والامم المتحدة بالنسبة للعديد من القضايا الاقليمية الشائكة- ويقيني أن مما ساهم في نجاح الجامعة في القيام بدورها القومي رغم التحديات التي واجهتها منذ إنشائها، إنما هو تجسيدها لهوية العروبة تلك الهوية الجامعة الشاملة التي تربط بين اعضائها وتعلو على كافة الانتماءات الطائفية والدينية والعرقية والقبلية، ومن هنا ظلت الجامعة رمزاً للعروبة ودرعاً لها – ولقد كانت من اكبر أمنيات المرحوم والدي الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية أن يتذكر العرب دائماً شعار جامعتهم والمتمثل في الآيتين الكريمتين ” كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله “، وقوله تعالي ” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا “. صدق الله العظيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] عضو مجلس إدارة المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو لجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي. وقد نشر المقال ، مع بعض التعديلات ، في جريدة الاهرام عدد 47912 بتاريخ الجمعة 9 فبراير 2018
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/636745.aspx