
بيان المجلس بشأن قرار محكمة العدل الدولية
يناير 26, 2024
لقاء معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بأعضاء المجلس
فبراير 1, 2024بتاريخ 29 يناير 2024، عقد المجلس ندوة حول “الذكاء الاصطناعى .. أهميته وأبعاده”، وذلك فى إطار الأهمية المتنامية لهذا المجال المهم والمؤثر فى كافة مناحى الحياة البشرية. وقد جاءت محاور الندوة الخمسة، التي أدراها السفير/ عزت سعد مدير المجلس، على النحو التالي: 1) دور الذكاء الاصطناعي في صنع القرار السياسي واستراتيجيات البيانات الضخمة في الدول المختلفة – د. زياد الكيلاني، المدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. 2) الأبعاد الاقتصادية والمالية للذكاء الاصطناعي – د. أميرة عبد العزيز، مستشار قطاع علوم البيانات والتحليلات المتقدمة بالبنك المركزي المصري. 3) الأبعاد العسكرية والأمنية – مقدم طيار د./ أحمد الدسوقي، أستاذ بالكلية الجوية. 4) البعد الصحي والإنمائي – د. رنين سليمان، أستاذة بجامعة هارتفوردشير مصر. 5) الأبعاد الأخلاقية – د. إيهاب خليفة، باحث بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة (دولة الإمارات). 6) البعد الدبلوماسي – د. عزت سعد، مدير المجلس.
وفي هذا الصدد، تم التأكيد على النقاط التالية، واستخلاص بعض التوصيات، كالتالي:
- تتسم البيئة الدولية الراهنة بدرجة عالية من التعقيد واللايقين، وهو ما يضفى بدوره مزيدًا من الصعوبة على عملية صنع القرار. فى المقابل، فإن الذكاء الاصطناعي وتطوراته المتسارعة من شأنها سد فجوة عدم اليقين تلك، أو على الأقل تقليصها إلى حدٍ كبير، لاسيَّما وأن باستطاعته إنتاج نماذج حاسوبية قد تساعد على التنبؤ بالمستقبل، وكذا نماذج محاكاة جيوسياسية، يتم خلالها توظيف البيانات الهائلة، والتى يقوم الذكاء الاصطناعي بتنقيحها وضبطها بشكلٍ متميز. ولا يخفى أن الحاجة إلى الأخير تتزايد لحظيًا؛ خاصة وأن القوة الحاسوبية أصبحت أقوى وأرخص ومتاحة لكل الناس تقريبًا، كما أن التطبيقات التى يستعملها مستخدمو الأجهزة الإلكترونية هي بمثابة ذاكرة توفر معلومات عن كل سكان الأرض تقريبًا، فضلاً عن مواردها والتغيرات الطارئة عليها. وهذا بلا شك يفتح نافذة جديدة للتنافس بين الدول حول كيفية الاستفادة من هذه المعطيات وتوظيفها بما يخدم مصالح تلك الدول، بما في ذلك العمل على التعزيز الدائم والتنقيح المستمر لاستراتيجيات البيانات الضخمة في الدول المختلفة.
- ارتباطًا بالمجال الاقتصادى، وفى ضوء استعمال الذكاء الاصطناعي التكنولوجيا لتحليل البيانات بطريقة سريعة وغير روتينية لخدمة صانع القرار، بما فى ذلك تفرَّده باشتماله على كميات كبيرة من البيانات، يستحيل أن يحصِّلها شخصٌ واحد، فإنه يتم توظيف الذكاء الاصطناعى فى المجال الاقتصادى، وتحديدًا المالى والتجارى، لتحقيق أكثر من هدف. فمن جهة، يتم العمل على تحسين تجربة العملاء ومساعدتهم، بما فى ذلك عمل ماكينات (ATM) تفاعلية بإمكانها التحدث مع العميل، وتعزيز عملية توزيع الماكينات وفقًا لحجم الإيداع والسحب وغيرها، وكذا تقديم العروض على القروض، فى أوقات معينة قد يحتاج إليها العميل، مثل فترة المدارس، بما يؤكد فهم المؤسسة المالية لاحتياجات هؤلاء العملاء، وبما يؤدى بالتالى إلى تمسكهم بهذه المؤسسات. من جهةٍ أخرى، فقد عمد البنك المركزى إلى توظيف الذكاء الاصطناعى بما يعزز القدرة على استقرار أداء البنوك فى الدولة، ومن ثمَّ توطين اقتصاد الدولة. وفى هذا الصدد، يساعد الذكاء الاصطناعى على تقديم نماذج تنبؤية وفقًا للمعطيات الاقتصادية داخل الدولة، مثل ميزان المدفوعات وإجمالى الناتج المحلى، وكيفية التعامل مع هذه التنبؤات، بما فى ذلك تجنب المشكلات والأزمات التى يمكن أن يواجهها القطاع المالى.
- فيما يتعلق بالأبعاد العسكرية والأمنية، أشار د./ أحمد الدسوقي إلى أن فرص الذكاء الاصطناعى تكمن فى القدرة على الجمع بين قوة الحوسبة الهائلة ومعالجة البيانات وتحليلها. مضيفًا أن الصين تُعَد من أبرز المنافسين فى مجال الذكاء الاصطناعى، باستحواذها على معظم براءات الاختراع فى هذا الصدد. وعلى صعيد إيجابيات توظيف الذكاء الاصطناعى فى المجال العسكرى، فإنها تشمل القدرة على المتابعة المؤتمتة لنقص الذخيرة أو قطع الغيار، والمساهمة فى التحكم فى الأنظمة التسليحية المتعددة، وإتاحة فهم أكبر لتفكير الخصوم، وإمكانية التنبؤ بالأحداث، والمفاضلة بين القرارات، بما يعزز من القدرة على اتخاذها فى أسرع وقت. أمَّا على صعيد التحديات، فتشمل تنامى تهديدات الهجمات والقرصنة الإلكترونية، والقدرة على التزييف العميق، وتطوير الأسلحة البيولوجية، والتحيز المتأصل فى بعض الخوارزميات، والذى يكرس بدوره التحيزات الموجودة فى الواقع، وعدم التقيد بالضوابط الأخلاقية، وإمكانية امتلاك الوعى الذاتى، بما يترتب عليه من قدرة على إشعال فتيل الأعمال العدائية أو النيران الصديقة فى ساحة المعركة.
- على الصعيد الصحى، أشارت د./ رنين سليمان إلى أن الذكاء الاصطناعى يساعد فى تعزيز جودة الخدمات الصحية، وتطوير الأدوية، وتحليل اقتصاديات الرعاية الصحية، من حيث التكلفة والعائد. وفى هذا السياق، يتم توظيف الذكاء الاصطناعى فى توفير قاعدة بيانات متكاملة للأمراض والأشعة والأنسجة، والطرق المثلى للتعاطى معها، ومقارنة حالات المرضى بما فى هذه القاعدة لتوفير الوقت والجهد، والتعرف على أفضل طريقة لعلاج المريض وفقًا لها، وكذا وضع سيناريوهات مستقبلية لمدى ملائمة العلاج المُقدَّم مع حالة المريض وفاعليته فى المستقبل، عبر الخريطة الجينية الخاصة بكل مريض، وذلك وفقًا لما يُسمَّى بـ “الطب الدقيق –Personalised Medicine”. فى سياقٍ متصل، هناك ما يُطلَق عليه “Remote Patient Monitoring” والذى يمتلك المريض بموجبه جهاز دقيق لقياس معدل السكر والضغط وباقى الأمراض الأخرى، ويتصل فى ذات الوقت، وبشكلٍ لحظى، مع المستشفيات المعنية، بل ومع الطبيب وأجهزة الطوارئ والإسعاف. فضلاً عن ذلك، يمكن كذلك استخدام الذكاء الاصطناعى فى مجال العمليات وإجراء الجراحة عن بعد.
بيد أن هذه التطورات المختلفة فى المجال الطبى لا يمكنها استبعاد العامل البشرى، لا سيما وأن هذا المجال معنىٌ بصحة المرضى وحياة الناس، ولا يعدو الذكاء الاصطناعى إلا أن يكون عاملاً مساعدًا للأطباء والمعنيين فى تحليل البيانات واتخذا القرار. يعزز ذلك ما ينطوى عليه الذكاء الاصطناعى ذاته من تحديات فى هذا المجال، من قبيل إمكانية تسريب البيانات الخاصة بالمرضى واستعمالها ضد الدولة، خاصة فيما يتعلق بالأمراض المُعدية. وهو ما يتطلب وجود فعَّال للعامل البشرى لضمان المحافظة على خصوصية المعلومات وأمانها، ومجابهة التحديات الأخلاقية ذات الصلة.
- من جانبه، وعلى صعيد الجوانب الأخلاقية للذكاء الاصطناعى، لفت د./ أيهاب خليفة إلى وجود تساؤلات عديدة حول هذه القضية فى ظل التطورات المستمرة على المجال التقنى، رَصَدَها فيما يلي: أخلاقيات الذكاء الاصطناعى: ما هى الأخلاقيات التى تحكمه؟ هل هى التى تعكس المنظور الثقافى الغربى أم شئ آخر؟. الخصوصية وحماية البيانات: ما مدى القدرة على تحقيق ذلك؟ مشيرًا إلى أن الشركات الكبرى وبعض الدول – من بينها مصر – عمدت إلى إصدار وثائق تحدد كيفية تعاملها مع تطبيقات الذكاء الاصطناعى. الشفافية والمُساءَلة: بمعنى ضرورة الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعى فى الأعمال الإبداعية مثلاً، كما فى الشعر والرسم والموسيقى وغيرها. العدالة وعدم التحيز: حيث يجب ضمان عدم وجود نوع من التحيز القيمى والثقافى داخل الدولة الواحدة، بما يستوجبه ذلك من تضمين جميع الفئات الموجودة داخل الدولة، بما فيهم الأقليات والمهمشين واللاجئين وغيرهم.
السلامة فى تنفيذ المهمات: بمعنى ضمان عدم تسبب تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى أية أضرار بيئية أو إنسانية، مع توضيح مَن الذى تجب محاسبته فى حال وقوع مثل تلك الأضرار؛ هل هى الشركة المُصنِّعة أم الإنسان المالك للتطبيق؟. مدى الرقابة البشرية: فالذكاء الاصطناعى قادر على توليد ذكاء اصطناعى آخر، بإمكانه توليد لغات وكلمات غير مفهومة للبشر، بما ينطوى عليه ذلك من تهديد وجودى خطير للجنس البشرى، وهو ما يتطلب درجة عالية من السيطرة والرقابة البشرية على هذه التطبيقات المتطورة. البُعد العسكرى: إذ كيف يمكن حماية المدنيين فى الحرب التى يتم فيها توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعى؟ وكيف يمكن مراعاتها للقانون الدولى والقانون الوطنى؟ التأثير الاجتماعى والثقافى: حيث تؤثر تطبيقات الذكاء الاصطناعى على الوظائف والمهن، فيما تخلق وظائف جديدة، لكن لا بد من مراعاة أى الفئات الاجتماعية ستتأثر، أثناء عملية الإحلال والتبديل تلك، بغية معالجة مخاوفها، والنظر فيما إذا كان من الممكن فرض ضرائب على الشركات العاملة فى مجال الذكاء الاصطناعى للمشاركة فى عملية المعالجة تلك. التداعيات على النظام الدولى: فالذكاء الاصطناعى له تداعياته العسكرية والمدنية، ومن ثمَّ لا بد من إنشاء المؤسسات المنظمة له، وهناك بالفعل مترح لإنشاء وكالة مدنية تابعة للأمم المتحدة على شاكلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- ارتباطًا بالبعد الدبلوماسى للذكاء الاصطناعى، أشار السفير/ عزت سعد إلى أنه بينما يستمر مفهوم الذكاء الاصطناعي في التطور، يشير مؤلفو تقرير “الذكاء الاصطناعي والحياة في عام 2030” إلى أنه لا ينبغي لنا أن نتوقع من الذكاء الاصطناعي أن يقدم منتجاً يغير الحياة، وأن هناك مقاومة كبيرة لفكرة تسليم المسئولية للآلات، واحتمال وجود رئيس أو وزير خارجية آلي احتمال بعيد جداً. ومع ذلك، يجب التأكيد على ما يلى: أ) أن الذكاء الاصطناعي هو مصدر للقوة والنفوذ للدول التي تمتلك قدرات في تطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي. ب) بات الذكاء الاصطناعي بمثابة موضوع مهم في مجال الدبلوماسية، حيث يجري التفاوض حول العديد من الاتفاقيات والمعاهدات للتعامل مع التداعيات القِيَمية والقانونية والاجتماعية له. وهناك بعض القضايا التي تحتاج المعالجة بما في ذلك حقوق الإنسان وحماية البيانات والسلامة والأمن والمساءلة والحوكمة. ج) أصبح الذكاء الاصطناعي أداة للدبلوماسية، حيث يمكنه دعم وظائف الدبلوماسيين والمفاوضين. كما يمكنه دعم القرار وصياغة الوثائق وترجمتها ودعم التفاوض وتحليل الاتجاهات والتطورات المستقبلية. كما يمكنه أيضاً أن يسهل عملية التواصل والمشاركة مع مختلف أصحاب المصلحة والجماهير. د) الذكاء الاصطناعي مجال ديناميكي ومتطور يتطلب مراقبة وتكيّف مستمرين. وفي هذا السياق ينشط الاتحاد الأوروبي في تعزيز رؤيته وقيمه إزائه، داخلياً وخارجياً على حد سواء. وكذا تفعل الصين والولايات المتحدة وكندا وأستراليا واليابان وغيرها من الدول، خاصة تلك الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وخلص السفير سعد إلى ضرورة تصميم إطار حوكمة جديد يناسب هذه التكنولوجيا الفريدة، وأن هذا يشكل تحديًا فى حد ذاته، فى ضوء ما يفرضه من ضرورة تجاوز المفاهيم التقليدية للسيادة وزيادة مساحة الشركات الكبرى العاملة فى مجال الذكاء الاصطناعى على طاولة المفاوضات، ما يعطيها المزيد من التأثير. ورغم اتفاق العديد من الدول على ضرورة الحد من مخاطر هذه التكنولوجيا، وتدشين هيئة دولية لمراقبة وإدارة ضوابط استخدامها، فإن حالة التنافس الدولي حول احتكار التفوق في هذا المجال قد تمثل عائقاً أمام نجاح هذه المساعي، وربما تتسبب في توسيع مجالات التوتر في السياسة الدولية، وتحديداً بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب، وروسيا والصين من جانب آخر. ومما لا شك فيه أن هذه الحالة التنافسية تمثل تحدياً أمام الدول الأخرى الساعية لتطوير قدراتها ذات الصلة. إذ قد تجد نفسها مجبرة على الانحياز إلى إحدى الأطراف الدولية المتنافسة، وذلك في حالة عدم النجاح في تحييد مساعي حوكمة الذكاء الاصطناعي خارج سياق التنافس التكنولوجي.
- على صعيد المناقشات:
- أشار د./ على الدين هلال إلى أن بيل جيتس كتب مقالاً فى مارس 2022 بعنوان “لقد بدأ عصر الذكاء الاصطناعى”، وهو ما يعنى أن الذكاء الاصطناعى ليس مجرد تقنية جديدة، وإنما تدشين لحضارة أو عصر جديد لحياة البشر على الأرض، واجتاحت كافة مجالات الحياة تقريبًا. وعلى الرغم من الموافقة على الكثير من المحاذير الأخلاقية، إلا أن الحقيقة هى أن هذه التكنولوجيا لن تتوقف، ويجب التعامل معها على هذا الأساس. وفى هذا الصدد، يجب على مصر والبلاد العربية الخوض فى هذا المجال بكل قوتها، لأن الخاسر فى هذا المجال سيخسر كثيرًا جدًا، لا سيما وأن الدول المجاورة مثل إيران وإسرائيل وتركيا قد استثمرت الكثير فى هذا الصدد.
- أشار السفير رخا حسن إلى أن الذكاء الاصطناعى مرتبط بالتقدم العام فى العالم، وهو مجرد تقدم فى الوسائل التى يستخدمها الإنسان. ولا يمكن الاعتماد عليه كليةً، وتجربة “طوفان الأقصى” أدحضت سيطرة الأتمتة والذكاء الاصطناعى الإسرائيلية، كما أن تطبيقات هذا المجال تعطينا نتائج نمطية لا تأخذ فى حسبانها الجانب المصلحى. ومن ثمَّ، لا يمكن إهمال العنصر البشرى، ولا يجب المبالغة بشأن الذكاء الاصطناعى.
- أوصى الحضور بضرورة إيلاء مزيد من الاهتمام بالبحث العلمى وبقطاعى التعليم والصحة، ارتباطًا بتطبيقات الذكاء الاصطناعى، مع تعزيز القاعدة القانونية والتنظيمية والرقابية المنوطة بها على المستوى القومى (فمثلاً هناك تسع ولايات أمريكية جرَّمت عمليات التزييف العميق ما لم يكن هناك توافق على ذلك)، ويرتبط بذلك أيضًا أهمية الحفاظ على الملكية الفكرية للفنون والابتكارات واحترامها. فضلاً عن ذلك، يجب على وسائل الإعلام المصرية تبنِّى خريطة إعلامية متكاملة لرفع الوعى لدى المواطنين بماهية الذكاء الاصطناعى وأهميته وتطبيقاته ومحذوراته، وذلك بالتوازى مع تعزيز الثقة لدى المواطنين فى الخدمات الرقمية المختلفة المُقدَّمة إليهم، وضمان فاعليتها وكفاءتها على النحو المرجو منها. كما يجب تشجيع الشركات الصغيرة العاملة فى هذا المجال وتقديم الحوافز المتنوعة لها، والاستفادة منها فى تطوير التطبيقات ذات الصلة، بما يخدم مصالح الدولة.